تجارة الفضيحة.. "إبستين" المغرب "رشيد البلغيتي" مثالا

تجارة الفضيحة.. "إبستين" المغرب "رشيد البلغيتي" مثالا
مقالات رأي / الأربعاء 18 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

فهد الباهي/م.إيطاليا

صراحة، البداية في نقاش من هذا النوع مؤلمة ومخجلة في آن واحد، لأننا لا نكون أمام بحث عن حقيقة ولا عن عدالة، بل أمام سوق مفتوحة عنوانها الربح فقط، ربح بلا أخلاق ولا ضوابط، يمكن وصفه بالربح الإمبريالي الذي لا يعترف إلا بحسابات المكسب والخسارة، دون اكتراث بمن يتضرر ومن يُستهدف ومن تُسحق سمعته في الطريق، فالمهم هو عدد المشاهدات، حجم التفاعل، عائدات الإعلانات، وكل ما عدا ذلك تفاصيل لا وزن لها في ميزان التجارة السوداء للفضائح، حسب المثل القائل "خلي عش بابة غير عمر ليا قب الجلابة".

حين تتحول المنصات إلى ساحات تصفية حسابات بالوكالة، يصبح العنوان هو السلاح الأول، لذلك لم يتردد البعض في إطلاق توصيفات صادمة من قبيل تشبيه أحدهم بشخصية مثل "جيفري إبستين"، فقط لأن الاسم مستفز ويجلب النقرات ويشعل الجدل، دون أدنى اعتبار للفارق الهائل بين السياقات أو للنتائج الكارثية التي قد تترتب عن رمي الناس بتهم ثقيلة بهذا الحجم، وتحت ذريعة "ومالك مزغب".

هكذا جرى تسويق عبارة "إبستين المغرب" في محاولة لربط اسم الأستاذ الصحافي المتميز "رشيد البلغيتي" بقضية عالمية مشبوهة، بينما يعرف القريب والبعيد أن الرجل، سواء اتفقنا معه أو اختلفنا، ظل يحاور بمستوى عال، مباشرًا وصريحًا ومتزنًا في طرحه، يسدد نقده بوضوح ويصيب أحيانًا ويخطئ أحيانًا، كما يفعل أي إنسان، لكن تحويل الخلاف الفكري إلى اغتيال رمزي للسمعة هو انحدار خطير لا يليق بمجتمع يدّعي احترام النقاش، الذي يستدعي الحفاظ على "الباش" لنبقى مستورين تحته جميعا (الباش).

منذ البداية كان واضحًا أن الهدف هو صناعة قصة مربحة، واختيار امرأة في مثل هذه السيناريوهات غالبًا ما يكون جزءًا من خطة محسوبة، لأن الرأي العام يتعاطف بسرعة مع الجنس اللطيف، ولأن بعض أشباه الرجال سيقفزون للدفاع أولا وتقربا بلا تحقق، وهم من نسميهم في ثقافتنا بالذكور أو الغلمان، ولأن بعض الجمعيات التي لا نسمع صوتها ولا يظهر بريق لمعانها حين يتعلق الأمر بنساء فقيرات أو قرويات أوخادمات بيوت في ظروف قاسية أونساء في الحقول..، وتتحول فجأة إلى مناضلات والمشاركة في مظاهرات أو صنعها (المظاهرات) صاخبة عندما يكون الهدف شخصًا معروفا والضحية من طبقة معينة ذات جاه إجتماعي أو عائلي.

الهدف دائما أي كان مثيرًا للجدل أو متمردًا على السائد والمعتاد.

وضع النساء في مواجهة الرجال بهذه الطريقة لا يخدم قضاياهن بقدر ما يحولهن إلى أدوات في معارك إعلامية، هؤلاء يصبحن نجرد علب تفتح ويفرغها محتواها وتلقى في مزبلة التاريخ، مواقف تُستعمل فيها لغة المسكنة والبكاء والاتهام المباشر لتشويه شخص بعينه، لا لأنه مجرم مثبت بحكم قضائي، بل لأنه أزعج دوائر معينة أو وخز أسماء اعتادت أن تبقى فوق النقد، وهنا يتحول النضال إلى لافتة، وتتحول الكرامة إلى ورقة ضغط ليس إلا.

في محاولة التشهير وابتزاز "رشيد البلغيتي"، تبدو المعركة خاسرة قبل أن تبدأ، لأن الرجل راكم حضورًا في الداخل والخارج، واكتسب جمهورًا يتابع تحليلاته ويناقش أطروحاته، قد لا يقنع الجميع، لكنه قادر على إقناع شريحة معتبرة، وهذه ميزة لا تتوفر إلا لمن يمتلك أدوات التفكير والمقارعة بالحجة، لا لمن يعتمد على الإثارة الفارغة.

الرهان إذن لم يكن على الحقيقة، بل على تشويه السمعة عبر صفحات ومواقع يعرف المتتبعون جيدًا لمن تشتغل ومن يمولها ومن يحرّكها، صفحات تعيش على الإثارة وتقتات على الفضائح، وكلما كان العنوان صادمًا كان الربح أكبر، حتى لو كان الثمن سمعة إنسان أو استقرار عائلة أو صورة مجتمع بأكمله.

من زاوية أخرى، لا أدعي أن "رشيد البلغيتي" ملاك أو معصوم من الخطأ، فالبشر يخطئون ويصيبون، لكن الفارق كبير بين خطأ شخصي يُعالج في إطاره القانوني، وبين قذف علني بتشبيهات ثقيلة دون إثبات قضائي، خاصة حين يكون الحديث عن وقائع تتعلق بممارسة الجنس يُقال إنها حدثت في فرنسا، وهي دولة تعترف بالحريات الفردية في إطار العلاقات الرضائية بين الراشدين، وتُجرم فقط العنف والإكراه، ما يطرح سؤال المسؤولية القانونية بدل إطلاق أحكام شعبوية في الفضاء الأزرق، ذون دليل .

إن ثبتت ادعاءات فهناك قضاء يفصل فيها ويصدر الأحكام...، وإن لم تثبت فالضرر الذي يلحق بالسمعة قد لا يُجبر بسهولة، لذلك فإن تحويل المنصات إلى محاكم موازية هو أخطر ما نعيشه اليوم، لأنه ينسف قرينة البراءة ويستبدلها بقرينة الاتهام، ويجعل من كل شخص هدفًا محتملًا لحملة منظمة تديرها حسابات تبحث عن الأدسنس واليوتيوب والدعم الخفي.

قد يربح البعض أموالًا من وراء هذه الضجة وإلحاق الأذى بالناس عن قصد أو عن غير قصد، وقد ترتفع نسب المشاهدة مؤقتًا، لكن الخسارة الأخلاقية تبقى أكبر عار لا تمحوه السنون، لأن سمعة المهنة تُداس، وثقة الناس في الإعلام تتآكل، والخصومات الفكرية تتحول إلى حروب قذرة، بينما يبقى من يُستهدف أكبر من الحملة إذا كان رصيده الحقيقي عند الناس قائمًا على ما قدمه من فكر ونقاش وحضور، أما الذين اختاروا طريق التشهير فقد فضحوا أنفسهم قبل أن يفضحوا الصحافي المخضرم والنزيه "رشيد البلغيتي".

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك