أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
تواجه فرنسا، اليوم السبت 31 أكتوبر الجاري، اختباراً اجتماعياً وأمنياً جديداً، بعدما عادت موجة الاحتجاجات إلى شوارع عدد من المدن، في ظل تصاعد الغضب الشعبي من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وتدهور جودة الخدمات العمومية، وهي تطورات تعكس اتساع الهوة بين انتظارات المواطنين والسياسات الحكومية، وتضع السلطات الفرنسية أمام تحدي احتواء أزمة باتت تتجاوز المطالب المعيشية المباشرة نحو مؤشرات أعمق على اهتزاز الثقة في المؤسسات.
وتكشف التعبئة الجديدة عن اتساع رقعة الفئات المنخرطة في الحراك الاحتجاجي، بعدما لم تعد التحركات محصورة في شريحة اجتماعية محددة، بل امتدت لتشمل التلاميذ والطلبة والنقابات ومجموعات مختلفة من المحتجين، إلى جانب نشطاء حركة السترات الصفراء، الذين يسعون إلى توحيد الجهود الاحتجاجية حول مطالب مشتركة تتعلق بمواجهة الغلاء، وصون المكتسبات الاجتماعية، وتحسين ظروف العيش والعمل والدراسة.
وتأتي هذه التطورات في سياق ثالث عطلة نهاية أسبوع متتالية تشهد تحركات احتجاجية، بعدما عرفت فرنسا موجتين سابقتين يومي 17 و24 أكتوبر، اتسمت الأولى بمشاركة واسعة في عدد من المدن، وشهدت بعض مناطقها أعمال تخريب ونهب ومواجهات مع قوات الأمن، بينما سجلت الجولة الثانية تراجعاً نسبياً في مستوى الاضطرابات، دون أن ينعكس ذلك على حجم الاستياء الذي لا يزال يغذي الدعوات إلى مواصلة الاحتجاج.
وتعكس هذه العودة المتتالية إلى الشارع صعوبة احتواء الغضب الاجتماعي عبر التدابير الأمنية وحدها، خصوصاً أن المطالب المطروحة ترتبط بأوضاع اقتصادية ومعيشية تمس الحياة اليومية لشرائح واسعة من الفرنسيين، في وقت تجد فيه أسر كثيرة نفسها أمام ارتفاع النفقات الأساسية وتزايد الأعباء المرتبطة بالسكن والطاقة والمواد الاستهلاكية، مقابل شعور متنامٍ بأن المداخيل لم تعد قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة في تكاليف الحياة.
وتتجاوز خلفيات الاحتجاجات مسألة ارتفاع الأسعار، لتلامس أزمة أوسع تتعلق بجودة الخدمات العمومية ومدى قدرة المؤسسات على الاستجابة لحاجيات المواطنين، إذ تتصاعد الانتقادات الموجهة إلى أوضاع قطاعات حيوية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والنقل، وسط مطالب بتحسين ظروف الاستقبال والعلاج، وتوفير الموارد البشرية والإمكانات الضرورية للمرافق العمومية، وضمان خدمات تتناسب مع حجم الضرائب والتكاليف التي يتحملها المواطنون.
وتبرز المطالب التعليمية بدورها باعتبارها أحد المكونات الأساسية للحراك الحالي، بعدما انضم تلاميذ وطلبة إلى التحركات الاحتجاجية للمطالبة بتحسين ظروف الدراسة، وتوفير التجهيزات والموارد اللازمة للمؤسسات التعليمية والجامعية، فضلاً عن معالجة الاختلالات التي تؤثر في جودة التكوين وتكافؤ الفرص في الولوج إلى التعليم العالي، وهي قضايا تمنح الاحتجاجات بعداً يتجاوز المطالب الاقتصادية الآنية نحو مستقبل الأجيال الشابة.
وتسعى المجموعات المشاركة في هذه التعبئة إلى تحويل التحركات المتفرقة إلى حراك اجتماعي واسع، قادر على جمع فئات مختلفة حول أرضية مطلبية مشتركة، مستفيدة من حالة الاستياء التي تسود قطاعات متعددة، غير أن هذا التوجه يطرح في المقابل تساؤلات بشأن طبيعة التنسيق بين المكونات المشاركة، ومدى قدرتها على الحفاظ على الطابع السلمي للاحتجاجات وتفادي انزلاقها إلى مواجهات وأعمال تخريب قد تضعف رسائلها الاجتماعية والسياسية.
وتتصدر مدينة بوردو قائمة المناطق التي تثير مخاوف متزايدة بشأن تداعيات الاحتجاجات الجديدة، بعدما استحضر أصحاب المحلات التجارية مشاهد التخريب والنهب التي رافقت بعض التحركات السابقة، وشرعوا في اتخاذ تدابير احترازية لحماية ممتلكاتهم، في ظل حالة من الترقب تسود الأوساط التجارية مع اقتراب ساعات المساء واحتمال امتداد التجمعات إلى محيط الشوارع التجارية.
وتكشف الإجراءات التي اتخذها التجار عن حجم القلق الذي خلفته الاضطرابات السابقة، إذ لجأ عدد منهم إلى تدعيم واجهات محلاتهم وتغطية النوافذ والأبواب بألواح خشبية، بينما استعان آخرون بخدمات حراس الأمن الخاص، تحسباً لأي اعتداءات محتملة، خصوصاً أن بعض المؤسسات التجارية لم تتعاف بعد من الخسائر المادية التي تكبدتها خلال جولات الاحتجاج الماضية.
وتحدثت صاحبة أحد المتاجر الواقعة وسط بوردو عن الأضرار التي لحقت بباب محلها خلال الأحداث السابقة، موضحة أنها قررت عدم إغلاق متجرها بشكل كامل، لكنها فضلت تشديد إجراءات الحماية واتخاذ احتياطات إضافية لضمان سلامة العاملين وتفادي تعرض ممتلكاتها لأضرار جديدة، في موقف يعكس التردد الذي يطبع قرارات عدد من أصحاب الأنشطة التجارية بين الحفاظ على مصالحهم الاقتصادية والاستعداد لاحتمالات التصعيد.
وتكشف هذه المخاوف، في المقابل، عن الأثر الاقتصادي المباشر للاضطرابات الاجتماعية، إذ لا تقتصر انعكاساتها على الخسائر المادية الناتجة عن التخريب والنهب، بل تمتد إلى تراجع حركة الزبائن وتعطل الأنشطة التجارية وارتفاع تكاليف التأمين والحماية، فضلاً عن حالة عدم اليقين التي تجعل التجار والعاملين في القطاعات الخدمية أمام صعوبات إضافية في تدبير أنشطتهم اليومية.
وتواجه السلطات الفرنسية هذه التطورات باستعداد أمني واسع، بعدما قررت تعبئة نحو 70 ألف شرطي ودركي في مختلف أنحاء البلاد، في خطوة تعكس ارتفاع مستوى التأهب تحسباً لاحتمال تحول الاحتجاجات إلى مواجهات عنيفة أو أعمال إخلال بالنظام العام، خصوصاً في المناطق التي شهدت اضطرابات خلال الجولات السابقة.
وأطلق وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، تحذيرات بشأن المخاطر المرتبطة بالتحركات المرتقبة، مؤكداً توجه السلطات إلى التعامل بحزم مع أعمال العنف والتخريب والنهب، في إطار مساعٍ ترمي إلى منع تكرار المشاهد التي شهدتها بعض المدن خلال الاحتجاجات الماضية، وحماية الممتلكات العامة والخاصة وضمان سلامة المواطنين.
وتشمل التدابير الأمنية تعزيز الحضور الميداني في المناطق التجارية والمراكز الحساسة، والاستعانة بوحدات متخصصة ووسائل مراقبة إضافية، إلى جانب اتخاذ ترتيبات محلية لتنظيم مسارات المظاهرات وتحديد المناطق التي يمكن أن تشهد تجمعات كبيرة، وذلك بهدف تقليص فرص الاحتكاك بين المحتجين وقوات الأمن والحد من انتقال الاضطرابات إلى الشوارع والمرافق الأكثر حساسية.
وتبرز العاصمة باريس باعتبارها إحدى أبرز ساحات الاختبار الأمني والسياسي، بعدما اتجهت السلطات إلى تنظيم مسارات الاحتجاج بعيداً عن عدد من المحاور المركزية، في خطوة أثارت نقاشاً بشأن حدود تدخل السلطات في تحديد أماكن ومسارات التظاهر، والتوازن المطلوب بين متطلبات الأمن العام والحق في التعبير عن المواقف السياسية والاجتماعية في الفضاء العام.
وتضع هذه الترتيبات الحكومة الفرنسية أمام معادلة دقيقة، تتمثل في ضرورة منع أعمال العنف دون تحويل الإجراءات الأمنية إلى وسيلة لتقييد الاحتجاجات السلمية، خصوصاً أن الحق في التظاهر يشكل أحد الحقوق الأساسية في النظام الديمقراطي الفرنسي، الأمر الذي يجعل طريقة تدبير هذه التحركات محط متابعة سياسية وحقوقية، في ظل مخاوف من أن يؤدي أي تدخل مفرط إلى زيادة التوتر وتعميق حالة الاحتقان.
وتضيف احتفالات عيد الهالوين، التي تتزامن مع موعد التعبئة الاحتجاجية، عنصراً آخر إلى المشهد الأمني المعقد، بعدما تداولت منصات التواصل الاجتماعي دعوات إلى تنظيم تجمعات ليلية وارتداء أقنعة وأزياء تنكرية، وهو ما دفع السلطات إلى التعبير عن مخاوفها من احتمال استغلال هذه المناسبة لإخفاء هويات أشخاص قد يشاركون في أعمال تخريب أو اعتداءات على الممتلكات.
وتتابع وزارة الداخلية الفرنسية هذه الدعوات بقدر كبير من الحذر، خصوصاً في ظل انتشار منشورات وصفتها بأنها تحرض على العنف والنهب، وهو ما يعزز مخاوف الأجهزة الأمنية من اختلاط التجمعات الاحتفالية بالتحركات الاحتجاجية، وصعوبة التمييز بين المشاركين في الأنشطة العادية والأشخاص الذين قد يستغلون الحشود لتنفيذ أعمال مخالفة للقانون.
وتطرح هذه الوضعية تحدياً إضافياً أمام قوات الأمن، التي تجد نفسها مطالبة بتأمين الفضاءات العامة ومراقبة التجمعات الليلية، مع تفادي المساس بحرية الأفراد في الاحتفال والتعبير السلمي، الأمر الذي يفرض اعتماد تدبير أمني متوازن يميز بين الممارسات الاحتجاجية المشروعة والتصرفات التي تستهدف سلامة الأشخاص والممتلكات.
وتكشف مجمل هذه التطورات عن تعقيد الأزمة التي تواجهها فرنسا، حيث تتداخل المطالب الاقتصادية والاجتماعية مع الاحتجاجات الشبابية والنقابية، بينما تزيد المخاوف الأمنية والاقتصادية من حساسية الوضع، خصوصاً في ظل صعوبة التنبؤ بمدى انتشار التحركات وقدرة الجهات المنظمة على ضبط إيقاعها وتوجيهها نحو أهداف مطلبية واضحة.
وتضع هذه الموجة الاحتجاجية الحكومة الفرنسية أمام اختبار يتجاوز مسألة إعادة الهدوء إلى الشوارع، لأن التحدي الأساسي يرتبط بمدى قدرتها على تقديم إجابات عملية عن الأسباب التي دفعت آلاف المواطنين إلى النزول إلى الميادين، وفي مقدمتها تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة والاختلالات التي تعرفها الخدمات العمومية، فضلاً عن مطالب الشباب بتحسين ظروف التعليم وضمان فرص أكثر إنصافاً.
وتؤكد التجارب السابقة للاحتجاجات الاجتماعية في فرنسا أن المقاربة الأمنية، مهما بلغت درجة تشددها، لا تستطيع بمفردها إنهاء الأزمات التي ترتبط بجذور اقتصادية واجتماعية عميقة، إذ قد تنجح في احتواء بعض مظاهر الاضطراب بشكل مؤقت، لكنها تظل عاجزة عن معالجة الأسباب التي تعيد المواطنين إلى الشارع كلما تجدد الشعور بتراجع مستوى العيش أو غياب الاستجابة الحكومية.
وتواجه السلطات، تبعاً لذلك، ضرورة الجمع بين حماية النظام العام وفتح قنوات حوار جدي مع الفئات المحتجة، بما يسمح بفهم طبيعة المطالب وتحديد الأولويات الاجتماعية الأكثر إلحاحاً، لأن استمرار الاحتقان دون حلول ملموسة قد يوسع دائرة المشاركة في التحركات ويمنحها زخماً جديداً يصعب احتواؤه بالوسائل الأمنية وحدها.
وتجد فرنسا نفسها، مع دخول هذه الجولة الجديدة من الاحتجاجات، أمام مشهد تتقاطع فيه مخاوف التجار من خسارة ممتلكاتهم، وقلق السلطات من انفلات الوضع الأمني، وإصرار فئات اجتماعية على إيصال صوتها بشأن تدهور ظروف المعيشة والخدمات الأساسية، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى قدرة الحكومة على التعامل مع هذه المعادلة المعقدة دون التضحية بالحقوق والحريات أو تجاهل المطالب الاجتماعية.
وتحمل تحركات هذا السبت، في المحصلة، رسائل تتجاوز حدود الاحتجاجات الظرفية، إذ تعكس اتساع دائرة الاستياء من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتعيد إلى الواجهة سؤال الثقة بين المواطن والمؤسسات، كما تضع مستقبل الاستقرار الاجتماعي في فرنسا أمام اختبار حقيقي، لن تحسمه أعداد القوات الأمنية المنتشرة في الشوارع بقدر ما ستحسمه قدرة الحكومة على تحويل الوعود إلى إجراءات ملموسة تستجيب لانتظارات المواطنين وتعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك