أنتلجنسيا:أبو جاسر
أفرزت الانتخابات الرئاسية في البرازيل مواجهة ثانية بين السيناتور المحافظ فلافيو بولسونارو والرئيس المنتهية ولايته لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، بعدما عجز أي من المرشحين عن جمع الأغلبية المطلقة التي كانت ستمنحه الرئاسة مباشرة من الجولة الأولى التي جرت الأحد.
وأظهرت النتائج الرسمية، عقب فرز 98.64 في المائة من صناديق الاقتراع الإلكترونية، تقدم فلافيو بولسونارو بنسبة 47.27 في المائة من الأصوات، مقابل 44.88 في المائة للولا، ليتحول السباق الرئاسي إلى مواجهة ثنائية ستُحسم في الجولة الثانية المقررة يوم 25 أكتوبر.
وسجل بولسونارو تقدماً واضحاً خلال المراحل الأولى من عملية الفرز، بعدما تجاوزت حصته في مرحلة مبكرة حاجز 50 في المائة، قبل أن يتقلص الفارق تدريجياً مع ورود النتائج من مختلف المناطق وارتفاع نسبة الأصوات التي حصل عليها لولا، من دون أن يتمكن أي منهما من بلوغ العتبة المطلوبة للحسم من الدور الأول.
وتجاوز المرشحان 12 منافساً شاركوا في الجولة الأولى، في انتخابات طغى عليها الاستقطاب بين التيار المحافظ الذي يمثله بولسونارو وحزب العمال بقيادة لولا، بينما احتلت ملفات كلفة المعيشة والأمن والاقتصاد والفساد موقعاً بارزاً في الخطاب الانتخابي.
وتلقى فلافيو بولسونارو دفعة سياسية من النتيجة، بعدما جاءت حصته من الأصوات أعلى من التقديرات التي قدمتها غالبية استطلاعات الرأي السابقة للاقتراع، ليخوض الجولة الثانية من موقع المتصدر، في وقت حافظ فيه لولا على موقعه كأبرز منافس له.
ويبلغ فلافيو بولسونارو 45 عاماً، وهو سيناتور ونجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، الذي تولى رئاسة البرازيل بين عامي 2019 و2022، قبل أن يختار ابنه لتمثيل مشروع التيار المحافظ في الانتخابات الرئاسية الحالية.
وواجه جايير بولسونارو تداعيات قضائية وسياسية حالت دون مشاركته في السباق، بعدما أدين في قضية مرتبطة بمحاولة الانقلاب على لولا عقب انتخابات 2022، وهو ما دفع فلافيو إلى احتلال موقع أكثر تقدماً داخل المعسكر المحافظ خلال الأشهر السابقة للاقتراع.
ويخوض لولا، في المقابل، سباقاً جديداً نحو الرئاسة في سن تقترب من 81 عاماً، بعدما عاد إلى قصر الرئاسة سنة 2023، ويسعى إلى ولاية رئاسية رابعة غير متتالية مستنداً إلى قاعدة انتخابية واسعة وإرث سياسي ارتبط، خصوصاً، بالبرامج الاجتماعية التي نفذتها حكوماته السابقة.
وقدم لولا، عقب الإدلاء بصوته في ولاية ساو باولو، الاستحقاق الانتخابي باعتباره اختياراً بين مسارين سياسيين، داعياً الناخبين إلى دعم ما وصفه بتعزيز النظام الديمقراطي، في مقابل انتقاده لما اعتبره عودة إلى خطاب سياسي أكثر حدة.
وأكد فلافيو بولسونارو، من جهته، عقب التصويت في ريو دي جانيرو، أن البرازيل تحتاج إلى التغيير، مركزاً على قضايا الضرائب والجريمة والوضع الاقتصادي، وهي ملفات شكلت ركائز أساسية في حملته الانتخابية.
وتفتح نتيجة الجولة الأولى الباب أمام ثلاثة أسابيع إضافية من المنافسة، إذ سيحاول كل مرشح استقطاب الناخبين الذين صوتوا للمرشحين الذين خرجوا من السباق، إلى جانب السعي إلى تعبئة المترددين وتقليص نسبة الامتناع عن التصويت.
وركزت الحملات الانتخابية على القضايا المرتبطة مباشرة بالحياة اليومية للبرازيليين، وفي مقدمتها الأسعار والأمن والقدرة على تحمل تكاليف المعيشة، وهي ملفات ساهمت في تحديد مواقف شريحة واسعة من الناخبين.
واستند لولا خلال حملته إلى حصيلة البرامج الاجتماعية التي ارتبطت بفترات حكمه السابقة، مذكراً بالدور الذي لعبته تلك السياسات في تحسين أوضاع ملايين البرازيليين خلال العقد الأول من القرن الحالي، كما قدم حكومته الحالية باعتبارها امتداداً لهذا النهج.
وواجه الرئيس المنتهية ولايته، في المقابل، ضغوطاً مرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة والمخاوف الأمنية، فيما وعد فلافيو بولسونارو بتشديد السياسات المرتبطة بمكافحة الجريمة وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق والمالية العامة.
وأظهرت مواقف الناخبين خلال يوم الاقتراع حجم الانقسام بين المعسكرين، حيث عبر بعض الناخبين عن رغبتهم في منح فرصة للتيار المحافظ، بينما اختار آخرون دعم لولا أساساً لمنع عودة مشروع بولسونارو السياسي إلى السلطة.
وحضر الملف البيئي كذلك في خلفية المنافسة، خصوصاً قضية إزالة الغابات في منطقة الأمازون، بعدما جعل لولا من انخفاض معدلات إزالة الغطاء الغابوي إحدى النقاط التي يستند إليها في تقييم أداء حكومته.
وأثار ملف حماية أراضي السكان الأصليين اهتماماً خاصاً لدى قطاعات من الناخبين، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالحفاظ على غابات الأمازون والموارد الطبيعية، بينما ظل الاقتصاد والأمن في مقدمة القضايا الأكثر تأثيراً في الحملة.
وواجه فلافيو بولسونارو خلال السباق الانتخابي أيضاً أسئلة مرتبطة بتحقيق بشأن تمويل فيلم يتناول سيرة والده، غير أن هذه القضية لم تمنعه من تحقيق نتيجة وضعته في صدارة الجولة الأولى.
واستعاد خصوم لولا، بدورهم، ملفات الفساد التي ارتبطت بمساره السياسي والقضائي، خصوصاً القضية التي أدت إلى سجنه لأكثر من 18 شهراً بين عامي 2018 و2019، قبل إلغاء الأحكام الصادرة بحقه لاحقاً لأسباب إجرائية.
ودخل العامل الأمريكي كذلك على خط الانتخابات، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه يتابع الاقتراع البرازيلي عن كثب، في ظل علاقته السياسية السابقة بجايير بولسونارو والتوترات التي شهدتها العلاقات بين واشنطن وبرازيليا.
وطالب لولا خلال الحملة الرئيس الأمريكي بعدم التدخل في الانتخابات البرازيلية، مشدداً على استقلال القرار السياسي لبلاده، بينما شكلت الرسوم الجمركية والسياسات التجارية الأمريكية تجاه البرازيل موضوعاً إضافياً في النقاش الانتخابي.
وتكتسب الجولة الثانية أهمية تتجاوز المنافسة الداخلية، بالنظر إلى الوزن السياسي والاقتصادي للبرازيل داخل أمريكا اللاتينية، وإلى الدور الذي تلعبه البلاد في القضايا الإقليمية والدولية، خصوصاً في ظل التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
وتستعد البرازيل، بعد انتهاء الجولة الأولى، لدخول مرحلة انتخابية جديدة سيكون عنوانها الرئيسي محاولة كل معسكر توسيع قاعدته الانتخابية، إذ يحتاج لولا إلى تعويض الفارق المسجل في الجولة الأولى، بينما يسعى بولسونارو إلى الحفاظ على تقدمه واستقطاب أصوات إضافية تمكنه من تجاوز عتبة الأغلبية.
ويحسم الناخبون في 25 أكتوبر هوية الرئيس المقبل للبرازيل، بعدما اختزلت الجولة الأولى المنافسة في مواجهة مباشرة بين بولسونارو ولولا، في انتخابات تعكس استمرار الانقسام السياسي الحاد داخل أكبر دول أمريكا اللاتينية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك