أنتلجنسيا:أبو فراس
تتجه الأنظار إلى جنيف حيث تتسارع التحركات السياسية والعسكرية في سباق محموم قد يقود إلى توقيع مذكرة تفاهم أولية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، في خطوة توحي بوجود رغبة مشتركة في كبح التصعيد وفتح نافذة نحو إنهاء واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في المنطقة. غير أن الضجيج الدبلوماسي المصاحب لهذه التطورات يخفي وراءه خلافات عميقة تجعل الطريق إلى اتفاق نهائي مليئاً بالألغام السياسية والاستراتيجية.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الوثيقة المرتقبة لن تكون اتفاقاً شاملاً أو تسوية نهائية، بل إطاراً أولياً يرسم معالم مرحلة جديدة من التفاوض. وفي مؤشر على الجدية التي تحيط بالمشاورات، دفعت واشنطن بتحركات لوجستية لافتة شملت إرسال طائرات نقل عسكرية إلى أوروبا استعداداً لترتيبات مرتبطة بحدث التوقيع المحتمل، ما يعكس حجم الرهان الأمريكي على إنجاح هذه المبادرة.
لكن خلف مشهد الاستعدادات المكثفة، تظهر فجوة واسعة بين الرؤية الإيرانية والتصور الأمريكي. فطهران تدخل المفاوضات من موقع يرفض تقديم تنازلات تمس جوهر برنامجها النووي السلمي، وتتمسك بحقها في تخصيب اليورانيوم والاحتفاظ بالمواد المخصبة داخل أراضيها، مع تأكيد التزامها بعدم تصنيع أسلحة نووية. كما ترفض منح الولايات المتحدة أي دور مستقبلي في إدارة مضيق هرمز، معتبرة أن معالجة هذا الملف يجب أن تتم عبر ترتيبات إقليمية بالتنسيق مع سلطنة عمان.
وتسعى إيران إلى تحويل المفاوضات إلى منصة لإنهاء الحرب بشكل كامل في مختلف الجبهات المرتبطة بالأزمة، رافضة الاكتفاء بتمديدات مؤقتة لوقف إطلاق النار. كما تطرح حزمة مطالب واسعة تشمل رفع الحصار البحري، وتعليق العقوبات النفطية، وضمان وصولها إلى أموالها المجمدة، إلى جانب إطلاق برنامج دولي ضخم لإعادة إعمار الاقتصاد الإيراني بمئات المليارات من الدولارات.
وتكشف التسريبات المتداولة أن طهران تريد أيضاً إخراج ملفات حساسة من دائرة التفاوض نهائياً، وعلى رأسها برنامجها الصاروخي وعلاقاتها بالقوى الحليفة في المنطقة، معتبرة أن أي اتفاق يجب أن يقتصر على الملف النووي والعقوبات وإعادة بناء الاقتصاد.
في المقابل، تبدو واشنطن أكثر حذراً وأقل اندفاعاً نحو تقديم التزامات كبيرة. فالإدارة الأمريكية تركز في المرحلة الأولى على إعادة فتح مضيق هرمز وضمان عودة الملاحة الدولية إلى طبيعتها، باعتبار ذلك مدخلاً ضرورياً لأي تفاهم أوسع. أما الملف النووي، فتراه واشنطن مساراً تفاوضياً أطول وأكثر تعقيداً يحتاج إلى مراحل لاحقة وتفاهمات تفصيلية إضافية.
وتربط الولايات المتحدة أي تخفيف للعقوبات بمدى التزام إيران ببنود التفاهم الأولي، مع اعتماد مبدأ التدرج في منح التسهيلات الاقتصادية. كما لا تزال قضية الأصول الإيرانية المجمدة تمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف، إذ تصر طهران على الحصول على جزء مهم من هذه الأموال فوراً، بينما تفضل واشنطن الإفراج التدريجي عنها وفق آليات رقابة صارمة وضمانات مرتبطة بتنفيذ الالتزامات.
وبين الطموحات الإيرانية الواسعة والحسابات الأمريكية الحذرة، يبدو أن مذكرة التفاهم المنتظرة ليست نهاية الصراع بقدر ما هي بداية فصل جديد من المساومات الثقيلة. فنجاح التوقيع لن يعني بالضرورة تجاوز العقبات، بل قد يكشف حجم التناقضات الكامنة بين الطرفين. لذلك يبقى السؤال المطروح بقوة: هل تتحول جنيف إلى محطة تاريخية تضع حداً للتوتر، أم إلى مجرد هدنة سياسية مؤقتة تؤجل الانفجار المقبل دون أن تمنع وقوعه؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك