أنتلجنسيا:أبو جاسر
في تطور يعكس انتقال أزمة نهائي كأس أمم إفريقيا من الملاعب إلى الفضاءات الاجتماعية والدبلوماسية، خرجت سفارة المملكة المغربية في داكار ببلاغ حازم موجّه إلى أفراد الجالية المغربية المقيمة بالسنغال، دعت فيه إلى التحلي بأقصى درجات ضبط النفس واليقظة، في ظل تصاعد التوترات التي فجّرتها تداعيات القرار المثير للجدل الصادر عن الاتحاد الأفريقي لكرة القدم.
البلاغ، الذي صدر في لحظة دقيقة، لم يكن مجرد دعوة بروتوكولية عابرة، بل يحمل في طياته مؤشرات واضحة على قلق رسمي من انزلاق الأوضاع خارج السيطرة، خاصة بعد أن تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات سجال حاد بين جماهير البلدين، تجاوز أحياناً حدود الروح الرياضية نحو خطاب متشنج يهدد بتغذية الاحتقان الشعبي.
وفي قراءة أعمق، يعكس هذا التحرك الدبلوماسي إدراكاً متزايداً بأن الأزمة لم تعد رياضية فقط، بل باتت تمس نسيج العلاقات الإنسانية بين شعبين تجمعهما روابط تاريخية قوية، حيث شددت السفارة على أن ما حدث “لا يتجاوز كونه مباراة”، في محاولة واضحة لإعادة تأطير النقاش داخل حدوده الطبيعية، وكبح موجة التصعيد العاطفي التي اجتاحت الفضاء الرقمي.
وفي مقابل هذا التحذير، حرصت البعثة الدبلوماسية على توجيه رسالة تقدير لافتة إلى السلطات السنغالية، مشيدة بما وصفته بالعناية الخاصة التي أُحيط بها المواطنون المغاربة وممتلكاتهم، في تأكيد ضمني على أن مؤسسات الدولة في السنغال لا تزال تمسك بزمام الاستقرار، رغم الضجيج الإعلامي والتوتر الشعبي.
غير أن خلف لغة التهدئة، تلوح معالم أزمة أعمق، حيث يكشف هذا البلاغ عن مستوى غير مسبوق من التداخل بين الرياضة والسياسة والمجتمع، في لحظة أصبحت فيها مباراة كرة قدم قادرة على اختبار متانة العلاقات الثنائية، وقياس درجة نضج الفضاء العمومي في التعامل مع الأزمات.
وبين دعوات التهدئة وموجات التصعيد، تبدو الجالية المغربية في قلب هذا الامتحان الصعب، مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن تكون صمام أمان، لا وقوداً للاحتقان، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى ما ستؤول إليه هذه الأزمة التي تجاوزت حدود المستطيل الأخضر، لتتحول إلى اختبار حقيقي لقيم التعايش والاحترام المتبادل بين الشعوب.
وهذا النص الكامل للبلاغ كما توصلت الجريدة بنسخة منه:
سفارة المملكة المغربية داكار
بلاغ موجه إلى المغاربة المقيمين بالسنغال
في سياق التطورات الأخيرة التي تم تسجيلها على هامش منافسات كأس الأمم الإفريقية وما أثارته من ردود فعل، لا سيما على مواقع التواصل الاجتماعي، تدعو سفارة المملكة المغربية المواطنين المغاربة المقيمين بالسنغال إلى التحلي بضبط النفس، واليقظة، وروح المسؤولية.
يجب أن تظلّ الرياضة وسيلة للتقارب، والأخوّة، والاحترام المتبادل بين الشعوب. وفي هذا الصدد، يجدر التذكير بأنه، في جميع الأحوال، لا يتعلق الأمر سوى بمباراة، لا يمكن لنتيجتها أن تبرر أي شكل من أشكال المزايدة أو التصريحات المفرطة بين شعوب شقيقة، تجمعها روابط تاريخية مشتركة، وقيم إنسانية متقاسمة، وأواصر أخوة عميقة. هذا، وتتكفل السلطات المعنية لدى الجانبين بتدبير هذا الملف.
في هذا السياق، تدعو السفارة مواطنينا إلى التحلي بالهدوء والحكمة، سواء في تفاعلاتهم أو في تعبيراتهم، بما في ذلك على المنصات الرقمية، وإلى التقيد الصارم بالقوانين والأنظمة الجاري بها العمل في بلد الإقامة، مع اعتماد سلوك يتسم باللباقة والاحترام في جميع الظروف.
كما تود السفارة أن تُشيد، من جهة أخرى، بالعناية الخاصة التي أبدتها السلطات السنغالية المختصة، منذ المباراة النهائية، تجاه المواطنين المغاربة وممتلكاتهم، مما يجسد مرة أخرى قيم "التيرانغا" وكذلك كرم ضيافة الشعب السنغالي الشقيق.
وتعرب، في هذا الصدد، عن بالغ امتنانها، داعية كل مواطنينا إلى المساهمة، كلٌّ من موقعه، في تهدئة الأوضاع. وأكثر من أي وقت مضى، تبرز أهمية العمل الجماعي للحفاظ على مناخ من السكينة، وصون العلاقات الأخوية، العريقة والمتعددة الأبعاد، التي تجمع المملكة المغربية وجمهورية السنغال الشقيقة.
وتعرب السفارة عن ثقتها في حسّ المواطنة ونضج الجالية المغربية لمواصلة تجسيد، كما دأبت على ذلك، قيم الاحترام والكرامة والعيش المشترك.
داكار، 17 مارس 2026
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك