أنتلجنسيا:أبو آلاء
في تطور يكشف عمق الارتباك داخل دوائر القرار في الولايات المتحدة، وجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه عالقاً في معادلة خطيرة بعد أسبوعين فقط من إشعال مواجهة مفتوحة مع إيران، حيث لم تعد الخيارات المتاحة أمامه سوى الاستمرار في حرب مكلفة وغير مضمونة النتائج، أو التراجع بخسائر استراتيجية قد تلاحقه سياسياً وعسكرياً.
المعطيات التي كشفتها نيويورك تايمز تعكس واقعاً أكثر قتامة مما روّج له البيت الأبيض في بداية التصعيد، إذ تبيّن أن التقديرات الأولية التي دفعت واشنطن للانخراط في هذه الحرب إلى جانب إسرائيل كانت قاصرة عن استيعاب قدرة طهران على إدارة صراع استنزاف طويل ومعقد، يمتد من الميدان العسكري إلى قلب الاقتصاد العالمي.
الاستمرار في الحرب لم يعد مجرد خيار عسكري، بل تحول إلى مقامرة شاملة، تهدد بتوسيع دائرة الخسائر البشرية الأميركية، واستنزاف الموارد المالية بوتيرة متسارعة، في وقت تتصاعد فيه المخاوف داخل القاعدة السياسية لترامب من انقلاب وعوده السابقة بتجنب الحروب الخارجية إلى واقع دموي مكلف. فإيران، وفق المعطيات نفسها، نجحت في إظهار قدرتها على تعطيل مفاصل حساسة في الاقتصاد العالمي، خصوصاً عبر التلويح بخنق مضيق هرمز، ما يضع أسواق الطاقة على حافة اضطراب واسع النطاق.
أما خيار التراجع، الذي قد يبدو نظرياً أقل كلفة، فيخفي بدوره ألغاماً سياسية واستراتيجية، إذ إن معظم الأهداف المعلنة للحرب، وعلى رأسها كبح الطموح النووي الإيراني، لا تزال بعيدة المنال، ما يجعل أي انسحاب أقرب إلى اعتراف ضمني بالفشل، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على صورة ترامب داخلياً وخارجياً.
الأخطر من ذلك أن الأسبوع الثاني من المواجهة كشف، بحسب تسريبات من مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، أن طهران تمتلك أدوات ضغط تتجاوز الحسابات التقليدية، سواء عبر توسيع رقعة المواجهة إقليمياً أو عبر استهداف التوازنات الاقتصادية العالمية، وهو ما لم يكن في الحسبان عند اتخاذ قرار الحرب.
ورغم التصريحات التي توحي بإمكانية إنهاء التصعيد، فإن الوقائع على الأرض تشير إلى العكس تماماً، حيث يستمر حشد القوات وتعزيز العمليات، في ظل مؤشرات متزايدة على تصدع في التنسيق بين واشنطن وتل أبيب، وقلق متصاعد داخل المعسكر الجمهوري من تداعيات حرب قد تتحول إلى عبء انتخابي ثقيل.
في المحصلة، لم تعد الأزمة مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الإدارة الأميركية على إدارة صراع متعدد الأبعاد، حيث كل خطوة إلى الأمام قد تعني غرقاً أعمق، وكل محاولة للانسحاب قد تُترجم كهزيمة مدوية، ما يضع ترامب أمام معادلة قاسية: لا نصر واضح في الأفق، ولا مخرج بلا ثمن.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك