أنتلجنسيا:سميرة زيدان
في مشهد أثار عاصفة من الجدل داخل الأوساط الثقافية، قرر منظمو مهرجان “السينما من أجل السلام”، المقام على هامش مهرجان برلين السينمائي، منح جائزة “أكثر فيلم قيمة” لفيلم “صوت هند رجب” للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، قبل أن يقوموا في الأمسية ذاتها بتكريم الجنرال الإسرائيلي السابق نوعام تيبون، الشخصية المحورية في الوثائقي الكندي “الطريق بيننا”، بدعوى “إنقاذه أسرته” خلال أحداث السابع من أكتوبر المرتبطة بعملية “طوفان الأقصى”.
القرار الذي جمع بين تتويج عمل فني يوثق مأساة طفلة فلسطينية، والاحتفاء بشخصية عسكرية إسرائيلية، اعتُبر لدى متابعين تناقضاً صارخاً يضع مفهوم “السلام” نفسه موضع مساءلة، ويكشف حدود الخطاب الثقافي الغربي حين يتعلق الأمر بالصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
كوثر بن هنية لم تمرر الأمر بصمت. ففي لحظة تسلم الجوائز، وأمام القائمين على التظاهرة وضيوفها، أعلنت رفضها استلام الجائزة، في موقف مباشر اعتُبر احتجاجاً على ما وصفه متضامنون معها بمحاولة المساواة بين الضحية والجلاد تحت لافتة التعايش والسلام. كلمتها، التي نشرتها مجلة The Hollywood Reporter بالإنجليزية، وتداولت ترجمتها منصات ثقافية عربية من بينها رمان الثقافية، شكلت بياناً سياسياً بقدر ما كانت موقفاً فنياً.
المخرجة التونسية شددت في كلمتها على أن الفن لا يمكن أن يُستخدم لتبييض العنف أو إعادة صياغة السرديات بما يطمس واقع الاحتلال، معتبرة أن الاحتفاء بشخصية عسكرية في السياق نفسه الذي يُكرَّم فيه فيلم عن ضحية فلسطينية، يفرغ الجائزة من معناها الأخلاقي ويحوّلها إلى رسالة ملتبسة.
الواقعة فجّرت نقاشاً واسعاً حول دور المهرجانات الدولية في التعامل مع القضايا السياسية، وحول ما إذا كانت شعارات السلام تُستعمل أحياناً كغطاء لإعادة إنتاج توازنات سياسية غير عادلة داخل الفضاء الثقافي. وبين من رأى في الخطوة سعياً لـ“التوازن”، ومن اعتبرها انحيازاً مقنّعاً، بقي موقف بن هنية الرافض بمثابة احتجاج علني داخل واحدة من أكبر المنصات السينمائية في أوروبا، أعاد طرح سؤال جوهري: هل يمكن للسينما أن تدّعي الحياد في قلب مأساة إنسانية مفتوحة؟
وهذا نص كلمة المخرجة التونسية كاملا:
"أحتاج إلى القراءة، لأن جائزة أفضل فيلم لهذا العام أكبر مما أستطيع تحمّله. …مساء الخير. الليلة، أشعر بالمسؤولية أكثر مما أشعر بالامتنان. صوت هند رجب لا يتعلق بطفلة واحدة فقط. إنه يتعلق بالنظام الذي جعل قتلها ممكنًا. ما حدث لهند ليس استثناءً. إنه جزء من إبادة جماعية. وهذه الليلة، في برلين، هناك أشخاص قدّموا غطاءً سياسيًا لتلك الإبادة. من خلال إعادة تأطير القتل الجماعي للمدنيين بوصفه "دفاعًا عن النفس"، وبوصفه "ظروفًا معقّدة". ومن خلال تشويه صورة المحتجّين. لكن كما قد تعلمون، السلام ليس عطرًا يُرشّ فوق العنف كي تشعر السلطة بالرقي، وكي تشعر بالراحة. والسينما ليست تبييضًا بالصور. إذا تكلّمنا عن السلام، فعلينا أن نتكلّم عن العدالة. والعدالة تعني المساءلة. (تصفيق) من دون مساءلة، لا سلام. الجيش الإسرائيلي قتل هند رجب؛ وقتل عائلتها؛ وقتل المسعفين الاثنين اللذين جاءا لإنقاذها، وذلك بتواطؤ من أقوى حكومات العالم ومؤسساته. إنني أرفض أن يصبح موتهم مجرد خلفية لخطاب مهذّب عن السلام، بينما تبقى البُنى التي مكّنت ذلك على حالها من دون مساس. لذلك، هذه الليلة، لن آخذ هذه الجائزة إلى بيتي. أتركها هنا كتذكير. وعندما يُسعى إلى السلام بوصفه التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا، متجذرًا في المساءلة عن الإبادة الجماعية، عندها سأعود وأقبلها بفرح. شكرًا جزيلًا. شكرًا لكم."
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك