إعصار "هاري" حول صقلية إلى جزيرة منكوبة وخسائر بالجملة

إعصار "هاري" حول صقلية إلى جزيرة منكوبة وخسائر بالجملة
دولية / الجمعة 23 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا

دخلت صقلية يومها في صباح رمادي كثيف، لا يشبه باقي الصباحات، حيث بدا البحر وكأنه يتهيأ لتصفية حساب قديم مع اليابسة، وبدا الهواء مثقلا بثقل غير مألوف، ومع الساعات الأولى بدأ الإحساس العام بأن شيئا كبيرا يتشكل خارج المألوف، شيئا يتجاوز فكرة عاصفة عابرة إلى حدث سيترك أثره في الذاكرة وفي الحجر وفي النفوس.

لم يكن إعصار هاري مجرد اضطراب جوي قوي، بل كان كتلة هائلة من العنف الطبيعي اندفعت نحو الجزيرة بسرعة وقسوة، فاختلطت السماء بالبحر، وتكسرت الحدود بين الماء واليابسة، وصارت الشوارع امتدادا للأمواج، وصارت النوافذ أبوابا لريح لا تستأذن، فيما وجد الناس أنفسهم أمام مشهد لا يشبه إلا مشاهد الكوارث الكبرى التي تُروى ولا تُعاش.

في المدن الساحلية، بدا كل شيء وكأنه يتحرك في غير مكانه الطبيعي، السيارات تنجرف كما لو كانت أوراقا، والمراكب تخرج من البحر لتستقر في الساحات، والمياه المالحة تتسلل إلى البيوت والمحلات وتترك وراءها طبقة ثقيلة من الطين والخراب، بينما كان صوت الريح يطغى على كل الأصوات ويحوّل التواصل إلى إيماءات ونظرات قلق.

الجزيرة التي اعتادت على غضب البحر في الشتاء لم تتعرف على هذا الوجه الجديد للعاصفة، فالقوة كانت مضاعفة، والإيقاع أسرع، والخسائر أوسع، وكأن الطبيعة قررت في تلك الليلة أن تذكر الجميع بأن التوازن هش، وأن ما يبدو مستقرا يمكن أن ينهار في ساعات قليلة دون مقدمات طويلة.

ومع انحسار الموج والريح، بدأت صقلية تكتشف جراحها واحدة تلو الأخرى، طرق مقطوعة، أحياء غارقة، محلات مدمرة، ومزارع تحولت إلى بحيرات مؤقتة، بينما كان الناس يسيرون بين الركام ببطء، لا بحثا عن الأشياء فقط، بل بحثا عن شعور قديم بالأمان تسرّب مع الماء.

في الأيام التالية، لم يكن الحديث عن الطقس بقدر ما كان عن معنى ما حدث، عن كيف يمكن لعاصفة واحدة أن تعيد ترتيب الأولويات، وأن تكشف هشاشة البنية التحتية وقسوة الاعتماد المفرط على الاطمئنان، وأن تضع الجميع أمام سؤال الصمود وإعادة البناء في آن واحد.

تحولت الكارثة إلى قصة يومية تُروى في المقاهي وعلى شاشات الهواتف وفي البيوت التي تنظف ما تبقى من آثار الماء، وصار اسم هاري مرادفا لذكرى ثقيلة، ليس لأنه مجرد اسم لإعصار، بل لأنه صار عنوانا لمرحلة قصيرة زمنيا وعميقة الأثر في حياة الآلاف.

واليوم، بعد أن هدأت السماء وعاد البحر إلى مظهره المخادع، بقيت صقلية تنظر إلى شواطئها بحذر جديد، وتعيد حساباتها مع الطبيعة، مدركة أن ما حدث لم يكن استثناء عابرا، بل إشارة واضحة إلى زمن تتغير فيه القواعد، وتصبح فيه العواصف أكثر جرأة واليابسة أكثر عرضة للاختبار.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك