أنتلجنسيا:فتيحة الوديع
في غرفة عمليات عالية التأمين "somewhere" داخل البيت الأبيض أو إحدى قاعات وزارة الدفاع الأمريكية، تُعرض صور الأقمار الصناعية للرادارات على شاشات ضخمة تُظهر التضاريس الإيرانية الصعبة، فيما يناقش الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقيادة الجيش سيناريوهات تدخل عسكري محتملة ضد إيران. ما كان يُفترض أن يكون حملة جوية محدودة بات الآن مرشحًا لتصعيد لا أحد يضمن نتائجه، حيث تطرح خيارات برية خاطفة لتحقيق أهداف نووية ونفطية استراتيجية.
الجنرالات الأمريكيون يدركون تمامًا حدود الضربات الجوية، فهي لا تطيح بالأنظمة ولا تكسر إراداتها، وقد تفشل في القضاء على المنشآت النووية من دون وجود قوة برية على الأرض. ومن هذا المنطلق، تُدرس الإدارة الأمريكية عمليات إنزال محدودة لأهداف دقيقة، تشمل منشآت مثل أصفهان وفوردو ونطنز، بهدف تدميرها أو السيطرة على مخزونات اليورانيوم المخصب قبل أن تعيد إيران ترتيب دفاعاتها.
العمليات المحتملة تعتمد على قوة التدخل السريع "الفرقة 82 المحمولة جوا"، التي يمكن نشرها خلال 18 ساعة، مع دعم فرقة العمليات الخاصة "دلتا فورس" لمهام اقتحام دقيقة داخل المنشآت النووية الحساسة، إضافة إلى فرق الهندسة العسكرية لفتح الطرق وتأمين نقاط الوصول. كل خطوة محسوبة بعناية لتجنب الاستنزاف الكبير، خصوصًا في بيئة جبلية كثيفة السكان، مع دفاعات إيرانية متشابكة تحت الأرض تشمل أنفاقًا وتحصينات خرسانية وأنظمة مضادة للطائرات والمسيرات.
في المقابل، يبقى الرد الإيراني سريعًا ومعقدًا، يشمل الاشتباكات المباشرة مع الحرس الثوري، الهجمات الصاروخية القصيرة المدى، المسيرات الانتحارية، وتفعيل الدفاعات الجوية ونقاط المراقبة. أي تأخير أمريكي قد يفضي إلى تطويق القوات المقتحمة، مما يزيد من تعقيد العملية ويضاعف المخاطر على الجنود الأمريكيين.
ظهور الطائرات الهجومية "إيه-10" في الحركة الجوية المرتبطة بالقواعد المتقدمة، إلى جانب السفن الحربية في خليج سودا، يوضح أن واشنطن تستعد ليس فقط لفرض الضربات الجوية بل لدعم بري محتمل، وإن لم يتخذ قرار الغزو الكامل بعد. الغزو البرّي لإيران، بلد شاسع وجبلي كثيف السكان، يظل خيارًا محفوفًا بالتكاليف البشرية والعسكرية، إذ أن التقدم في المدن الكبرى والتحكم بخطوط الإمداد سيؤدي حتمًا إلى حرب استنزاف طويلة ومعقدة، تمامًا كما حصل في العراق وأفغانستان.
ما تدرسه واشنطن اليوم ليس مجرد خطة عسكرية، بل اختبار لقدرتها على الحسم في مواجهة دولة يمكنها الصمود لأسابيع طويلة، حتى لو لم تحقق نصرًا عسكريًا على الجيش الأمريكي. إيران لا تحتاج إلا للتمسك بأرضها وإبطاء العمليات الأمريكية لتحويل أي تدخل بري إلى كارثة استراتيجية محتملة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك