فايننشال تايمز:عجز واضح ومنتشر بين أعضاء النخبة الحاكمة في أوروبا

فايننشال تايمز:عجز واضح ومنتشر بين أعضاء النخبة الحاكمة في أوروبا
دولية / الإثنين 19 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:لبنى مطرفي

بات الزي الرسمي للنخبة الحاكمة في أوروبا من السياسيين وكبار موظفي الخدمة المدنية وخبراء مراكز الأبحاث والمستشارين الذين يديرون الحكومات من لندن إلى بروكسل إلى مولدوفا، هو البدلة الزرقاء الداكنة.

ما عليك سوى أن تحضر أحد المؤتمرات التي تجمع مثل هذه النخب وسترى حشوداً من الرجال البيض، تتراوح أعمارهم بين 45 و60 عاماً، يرتدون جميعاً الزي الأزرق، فارتداء أي رجل من هذه الجماعة أي شيء آخر يُعد خروجاً عن المألوف، والنخبة الحاكمة في أوروبا لا تجرؤ على الإقدام على مثل هذا الخروج عن المألوف. وهذه فعلياً إحدى مشكلاتها.

إن أوروبا تواجه ضغوطاً غير مسبوقة من روسيا والصين، وتغير المناخ والذكاء الاصطناعي، ودونالد ترامب، الذي اعترفت هذه النخبة أخيراً، وبصمت، بأنه عدو.

وكل ما تفعله هذه النخبة لدرء كوارث متعددة في آنٍ واحد هو أن تتبع أسلوبها الكلاسيكي: الانتظار حتى يتحرك الخصوم، ثم الرد بضعف.

ولفهم عجزها، لا بدّ من فهم الأشخاص ذوي النوايا الحسنة الذين يعملون فيها.

وتُعرّف هذه الجماعة نفسها بمستوى تعليمها، فعادة ما يحمل أعضاؤها شهادات في القانون أو الاقتصاد أو العلوم السياسية، مع أن الكثير من البريطانيين درسوا العلوم الإنسانية، ومعظم الفرنسيين يجيدون الرياضيات.

كما خضع جميعهم لتدريب مكثف على التفكير النمطي. ودرس بعض أفراد الجماعة في جامعات أمريكية، حيث أصبح إتقان اللغة الإنجليزية بامتياز شرطاً أساسياً للعضوية. وهكذا، فقد انجذبوا إلى بلد بات الآن خارج دائرة ثقتهم.

ورغم فخرهم بهذه الانتماءات، إلا أن شعورهم بالإنجاز الشخصي قد خفت بسبب إخفاقات الجماعة منذ عام 2008، فقد أغفل تعليمهم جوانب باتت مهمة الآن، فهم لا يملكون معرفة واسعة بالتكنولوجيا، ونادراً ما يمتلك أي منهم خبرة عسكرية ولو ليوم واحد.

ويتحدث الكثير منهم الإيطالية لغة أجنبية أكثر من الصينية، لذلك فمعرفتهم بالصين محدودة للغاية لدرجة أن أي فرد عائد من أسبوع هناك يُعامل معاملة ماركو بولو.

وبحكم تعريفها تقريباً، يعيش أفراد الجماعة في العواصم، ونادراً ما يختلطون بطبقات أخرى. ومعظم ما يعرفونه عن الشباب مستمد من مراقبة أبنائهم غير النمطيين.

وهم يدعمون أحزاب الوسط اليسارية أو الوسط اليمينية التي تتلاشى بسرعة في أوروبا، ويشكلون آخر فئة ديموغرافية أوروبية يكاد ينعدم فيها التصويت لليمين المتطرف. وشخصياً، لم أرَ متحدثاً من اليمين المتطرف في تجمعٍ لهم إلا مرة واحدة: مستشارٌ لحزب التجمع الوطني الفرنسي.

وقد استُقبل بحفاوة، لكنه كان يتحدث الإنجليزية بلكنة ركيكة، وبمستوى أقل من غيره من حيث الثقافة.

وأفراد هذه الفئة جادّون ومجتهدون، ويؤمنون إيماناً راسخاً بالمبادئ الليبرالية التي نشأوا عليها.

مع ذلك، فهم يدركون أنهم يخسرون.

ويتم عقد مؤتمراتهم في مواقع أوروبية خلابة، ويُقدّم فيها طعامٌ لذيذ، ويستمد الأعضاء الراحة من صحبة بعضهم بعضاً، لكن النقاشات غالباً ما تكون كئيبة، بل ومرعبة أحياناً.

وهكذا، فمن الواضح أنهم هبطوا في غابة لا يملكون فيها سوى البدلات والشهادات. إنهم يدركون ضرورة الانتقال من الإدارة التقليدية البطيئة إلى العمل الجذري، كزيادة المساعدات لأوكرانيا بشكل كبير.

وهم يرغبون في مواجهة ترامب، والدفاع عن الديمقراطية، والتحول نحو الاقتصاد الأخضر، وغير ذلك، لكنهم يخشون ناخبي بلدانهم الذين لا يثقون بهم ولن يقدموا أي تضحيات في سبيل تحقيق هذه الأهداف. وروايات النخبة الحاكمة مملة، بينما يقدم اليمين المتطرف نظريات المؤامرة وكبش الفداء. عموماً، تفتقر هذه النخبة إلى غريزة التنافس الشرس التي يتمتع بها الخصوم.

وقد رضخت لترامب بشأن الرسوم الجمركية جزئياً خوفاً من تخليه عن الدفاع الأوروبي، لكنّ الأوروبيين ما زالوا لا يربطون القضايا كما يفعل.

كما أنهم لا يردون على الهجمات الإلكترونية الروسية، أو يحظرون حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف، أو يسعون لإنشاء وسائل تواصل اجتماعي أوروبية. والشيء الوحيد الذي فعلته هذه النخبة هو تقليص المساعدات العسكرية الأوروبية لأوكرانيا.

ولكل نخبة هدف واحد: البقاء في الصدارة. وبالنسبة لأصحاب النفوذ، لا يكمن التهديد الوجودي في غزو من ترامب أو بوتين، بل في استيلاء اليمين المتطرف على حكوماتهم، الأمر الذي قد يزعزع استقرار حياتهم الرغيدة، ورحلاتهم لحضور المؤتمرات، ومعاشاتهم التقاعدية.

وكما أخبرني أحد أفراد النخبة، وهو من فرنسا، أنه خلال فترة مراهقته كان يتساءل كثيراً عما كان سيفعله لو كان موظفاً حكومياً عندما استولى نظام فيشي على السلطة.

وكما أشار، وهو أمر ليس بغريب، فقد تمسك جميع الموظفين الحكوميين الفرنسيين حينها تقريباً بمقاعدهم ولم ينبسوا ببنت شفة.

المصدر:فايننشال تايمز

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك