عاملات الحقول في المغرب ضحايا التهميش والاستغلال والتحرش الجنسي وسط صمت يثير أسئلة محرجة حول حقوق المرأة

عاملات الحقول في المغرب ضحايا التهميش والاستغلال والتحرش الجنسي وسط صمت يثير أسئلة محرجة حول حقوق المرأة
المرأة / الجمعة 16 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: أميمة . م

في الوقت الذي تتصدر فيه قضايا تمكين المرأة والمساواة بين الجنسين واجهة النقاش العمومي في المغرب، لا تزال آلاف النساء القرويات يخرجن مع بزوغ الفجر إلى الحقول والضيعات الفلاحية، بحثاً عن لقمة العيش وتأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرهن، في ظروف عمل شاقة لا تنال دائماً ما تستحقه من اهتمام إعلامي وحقوقي، وتكشف أوضاعهن مفارقة مؤلمة بين الخطاب الذي يحتفي بمكانة المرأة في المجتمع والواقع الذي تعيشه نساء يساهمن بأيديهن في إنتاج الغذاء وتحريك الاقتصاد الفلاحي، لكنهن يظلن في كثير من الأحيان بعيدات عن دائرة الاعتراف والإنصاف والحماية.

وتشير دراسات تناولت أوضاع العاملات الزراعيات بالمغرب إلى أن عدداً منهن يشتغلن في إطار غير مهيكل، من دون عقود عمل واضحة أو تغطية اجتماعية كافية، كما يواجهن تفاوتاً في الأجور وهشاشة في الاستقرار المهني وصعوبات في المطالبة بحقوقهن، وقد وثقت دراسة ميدانية حول العمل الفلاحي بمنطقة سايس أن النساء يتولين في الغالب مهاماً كثيفة الجهد وأقل أجراً، وأن بعضهن يتقاضين أجوراً أدنى من الرجال حتى عند القيام بالعمل نفسه، وهو ما يجعل الحديث عن المساواة الاقتصادية ناقصاً ما لم يشمل النساء اللواتي يشتغلن في الحقول بعيداً عن المكاتب والمؤسسات.

ولا تتوقف معاناة العاملات عند الأجور وظروف العمل، بل تمتد إلى وسائل النقل التي تنقلهن يومياً بين القرى والضيعات، حيث يعتمد عدد منهن على وسائل نقل غير ملائمة أو مكتظة، وسط مخاطر حوادث السير وضعف شروط السلامة، وقد أعادت حوادث مميتة تعرضت لها عاملات زراعيات خلال السنوات الأخيرة تسليط الضوء على الثمن الإنساني الذي قد تدفعه النساء في طريقهن إلى العمل، بينما تظل مسؤولية تنظيم النقل وضمان سلامته موزعة بين أطراف متعددة، من مشغلين ومتعهدين وسلطات رقابية، الأمر الذي يستدعي إجراءات واضحة تمنع تحويل التنقل اليومي إلى مصدر إضافي للخطر.

وتبرز قضية التحرش الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي باعتبارها من أكثر الجوانب حساسية في واقع العمل الفلاحي، إذ أظهرت أبحاث وشهادات منشورة أن بعض العاملات يتعرضن لتعليقات وإيحاءات جنسية غير مرغوب فيها أو لضغوط واستغلال مرتبطين بهشاشة وضعهن المهني، كما أن الخوف من فقدان مصدر الرزق أو التعرض للانتقام قد يدفع بعض النساء إلى الصمت وعدم تقديم شكاوى رسمية، ولا يجوز تعميم هذه الممارسات على جميع الضيعات أو المشغلين، لكن خطورتها تفرض توفير آليات آمنة وسرية للتبليغ والتحقيق والحماية، حتى لا تتحول الحاجة إلى العمل إلى وسيلة لإخضاع النساء أو المساس بكرامتهن.

وتزداد صعوبة مواجهة هذه الانتهاكات حين تكون العاملة محدودة الدخل أو ضعيفة القدرة على الوصول إلى المعلومة القانونية والمساعدة القضائية، إذ قد تجد نفسها أمام خيار قاس بين الاعتراض على سلوك مسيء والمخاطرة بفقدان العمل الذي تعتمد عليه أسرتها، كما أن غياب العقود أو ضعف الإثبات قد يعقد مسار الشكاوى ويجعل بعض الانتهاكات غير مرئية في الإحصاءات الرسمية، ولذلك فإن حماية العاملات تقتضي توفير قنوات للتبليغ لا تشترط مواجهة المشغل مباشرة، وتقديم الدعم القانوني والاجتماعي والنفسي، وضمان عدم الانتقام من كل امرأة تقرر المطالبة بحقوقها.

أما المنظمات النسائية والحقوقية، فمن المشروع مساءلتها عن مدى حضور النساء القرويات في برامجها وحملاتها ومرافعاتها، وعن حجم الموارد التي تخصصها لقضايا الأجور والحماية الاجتماعية والتحرش وظروف النقل والعمل الموسمي، لكن من غير الدقيق القول إن جميع هذه المنظمات تتجاهل العاملات الفلاحيات، فقد سبق لهيئات مدنية ونقابية وباحثين أن تناولوا أوضاعهن، كما أثير ملف التحرش بعاملات الضيعات الفلاحية داخل البرلمان من خلال أسئلة كتابية خلال سنتي 2025 و2026، وتوجد مبادرات مدنية وبرامج تعاون تستهدف تحسين ظروف النقل وحماية العاملات، غير أن وجود هذه المبادرات لا يلغي حق المجتمع في المطالبة بتوسيع أثرها وضمان وصولها إلى النساء الأكثر هشاشة.

إن التهميش لا يتجلى فقط في ضعف الأجور أو غياب الحماية، بل يظهر أيضاً في الطريقة التي يُنظر بها إلى العمل الفلاحي النسائي، إذ كثيراً ما يُعامل بوصفه عملاً بسيطاً أو امتداداً لدور المرأة المنزلي، بدلاً من الاعتراف به نشاطاً اقتصادياً أساسياً يستحق أجراً عادلاً وظروفاً إنسانية، وهذا التصور يساهم في إضعاف مكانة العاملات داخل سوق الشغل ويقلل من حضورهن في النقابات والهيئات التمثيلية وعمليات اتخاذ القرار، لذلك ينبغي أن تشمل السياسات العمومية برامج لمحو الأمية والتكوين المهني والتوعية بالحقوق، إلى جانب تشجيع التنظيم الجماعي للعاملات وتيسير انخراطهن في أنظمة الحماية الاجتماعية.

وتتطلب معالجة هذه الأوضاع تفعيل القوانين المتعلقة بالشغل والمساواة والحماية من التحرش، وتعزيز مراقبة الضيعات، وإلزام المشغلين بتوفير عقود واضحة وأجور مستحقة وظروف صحية وآمنة، فضلاً عن تنظيم نقل العاملات وفق معايير السلامة، كما يتعين على السلطات والمنتجين والمصدرين والنقابات والمنظمات الحقوقية التعاون من أجل وضع آليات مستقلة لتلقي الشكاوى والتحقيق فيها، مع حماية المبلغات من الانتقام، ونشر بيانات منتظمة حول ظروف العمل والانتهاكات والإجراءات المتخذة، حتى لا تبقى حقوق النساء رهينة حملات موسمية أو وعود لا تجد طريقها إلى التنفيذ.

إن كرامة المرأة المغربية لا ينبغي أن تتحدد بمكان عملها أو مستواها التعليمي أو الاجتماعي، فالمرأة التي تدير مؤسسة أو تعمل داخل إدارة تستحق الحماية والإنصاف مثل المرأة التي تقضي ساعات طويلة تحت الشمس في جني المحاصيل وفرزها، ولا يمكن الحديث عن مساواة حقيقية إذا ظلت العاملات الفلاحيات خارج الأولويات العملية للسياسات العمومية والعمل الحقوقي، والمطلوب اليوم ليس الاكتفاء بإدانة عامة أو اتهام جميع المنظمات بالتقصير، بل تحويل هذه القضية إلى التزام قابل للمحاسبة، عبر الإنصات إلى العاملات أنفسهن، وحماية حقهن في العمل الكريم والأجر العادل والأمان الجسدي، وضمان ألا تكون الحاجة إلى الخبز سبباً في قبول الإهانة أو السكوت عن التحرش والاستغلال.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك