أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا
تحرص وزارة
التربية الوطنية هذه السنة على جعل الدخول المدرسي في المغرب أكثر انضباطاً
وتنظيماً، من خلال اعتماد اللباس الموحد، والحد من استعمال الهواتف داخل المؤسسات
التعليمية، إلى جانب وضع نظام جديد يهدف إلى ضبط سلوك التلاميذ وتنظيم الحياة
المدرسية، وهي إجراءات يمكن اعتبارها خطوة إيجابية إذا كانت تهدف فعلاً إلى إعادة
الانضباط والجدية إلى المدرسة، غير أن السؤال الأكبر يبقى مطروحاً حول ما إذا كانت
الوزارة قادرة بالقدر نفسه على توفير الإمكانيات المالية والبشرية والتجهيزات التي
تسمح بإنتاج تلاميذ ذوي مستوى علمي ومعرفي يواكب متطلبات العصر.
فعدد كبير من
الأسر المغربية التي تعتمد على التعليم العمومي يعيش أوضاعاً اقتصادية صعبة، ولا
تستطيع دائماً توفير جميع مستلزمات الدراسة لأبنائها، من ملابس وكتب وأقلام ومحافظ
وغيرها، ولذلك فإن الحديث عن مدرسة منضبطة يجب أن يرافقه حديث عن مدرسة قادرة على
حماية أبناء الأسر الفقيرة من الهشاشة، عبر توفير الحد الأدنى من شروط التعلم
الكريم، لأن التلميذ الذي يدخل المؤسسة وهو يحمل هم توفير أبسط أدوات الدراسة لن
يكون في الوضع النفسي والاجتماعي نفسه الذي يعيش فيه تلميذ تتوفر له كل الإمكانيات
داخل البيت والمدرسة.
وإذا كانت
الوزارة تريد فعلاً الرفع من جودة التعليم، فإن الأمر لا يتعلق فقط باللباس الموحد
أو منع الهاتف أو تشديد المراقبة، بل يبدأ من القسم نفسه، حيث ما زالت بعض
المؤسسات تعاني نقصاً في التجهيزات الأساسية، ومن بينها الطاولات والسبورات
والوسائل التعليمية، بل إن الحديث عن السبورة يجعلنا أمام مفارقة مؤلمة عندما نجد
أن تلاميذ في القرن الحادي والعشرين ما زالوا في بعض المدارس يتلقون دروسهم بالخشب
والطباشير، في الوقت الذي انتقلت فيه أنظمة تعليمية أخرى إلى استعمال الألواح
الإلكترونية والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي والتعليم عن قرب وعن بعد.
ولا يمكن أن
نطالب التلميذ المغربي بأن ينافس على المستوى الدولي إذا لم نوفر له مدرسة قادرة
على المنافسة، لأن جودة التعليم تبدأ من حجم الاستثمار في المؤسسة التعليمية ومن
تكوين المدرس ومن جودة المناهج ومن توفر المختبرات والمكتبات والملاعب والوسائل
الرقمية، وليس من كثرة التعليمات والانضباط الإداري فقط، فالتلميذ يحتاج إلى فضاء
يحفزه على التعلم والابتكار والبحث، ويجعله يرى في المدرسة طريقاً لتحقيق الذات
وبناء المستقبل، وليس مجرد مكان يقضي فيه ساعات طويلة قبل العودة إلى البيت.
كما أن رفع
ميزانية التعليم يجب أن يسير بالتوازي مع اختيار الأطر الكفأة وتأهيلها وتحفيزها،
لأن التدريس ليس وظيفة عادية يمكن اللجوء إليها فقط هرباً من شبح البطالة، وإنما
رسالة تحتاج إلى أشخاص يؤمنون بها ويملكون القدرة على التواصل مع التلاميذ والصبر
عليهم وتطوير مهاراتهم، ولذلك فإن إصلاح المدرسة لا يمكن أن ينجح من دون إعادة
الاعتبار إلى الأستاذ وتحسين ظروف عمله، وربط المسؤولية بالكفاءة والنتائج، وإعطاء
مكانة أكبر للمدرس باعتباره أحد أهم العناصر التي تحدد مستقبل الأجيال.
ومن المؤسف أن
يبقى المغرب بعيداً عن المراتب التي تليق به في مؤشرات التعليم الدولية، في وقت
يفترض أن تكون المدرسة قاطرة حقيقية تقود المجتمع إلى الأمام، فالدول التي نجحت في
بناء اقتصادات قوية لم تبدأ من المصانع فقط، وإنما بدأت من المدرسة والجامعة
ومراكز البحث، بينما لا ينبغي أن يتحول التعليم المغربي إلى مجرد مصنع لتكوين يد
عاملة بأجور منخفضة تستفيد منها أسواق خارجية تبحث عن الكفاءة بأقل تكلفة، لأن
بناء الإنسان يجب أن يكون أولاً لخدمة تنمية بلده وتحسين مستوى عيش أسرته ومجتمعه.
التعليم ثم
التعليم، هذه هي الأولوية التي تحتاجها المملكة إذا كانت تريد بناء جيل قوي علمياً
وفكرياً ومهنياً، ولذلك فإن الإجراءات المرتبطة بالانضباط تبقى مهمة، لكنها لن
تكون كافية ما لم ترافقها ميزانية أقوى وتجهيزات حديثة ودعم حقيقي للأسر الفقيرة
ومدارس لائقة وأطر كفأة ورؤية واضحة تجعل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا جزءاً من
العملية التعليمية، فحماية التعليم العمومي تعني في النهاية حماية مستقبل ملايين
الأسر المغربية، والاستثمار فيه ليس تكلفة تتحملها الدولة وإنما استثمار في أمة
تريد أن تتقدم.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك