أنتلجنسيا المغرب:وصال . ل
عاد ملف إصلاح التعليم إلى واجهة
النقاش العمومي بالمغرب بعد تأكيد الحكومة خلال جلسات برلمانية ولقاءات رسمية أن
مشروع مدارس الريادة بدأ يحقق نتائج إيجابية وأن المؤشرات المسجلة تبعث على
التفاؤل بشأن مستقبل المدرسة العمومية. غير أن هذه التصريحات لم تنجح في تبديد
حالة التذمر التي تسود وسط فئات واسعة من أولياء التلاميذ والأطر التعليمية التي
ترى أن الواقع الميداني ما زال بعيدا عن الصورة التي يتم تقديمها للرأي العام.
ويؤكد كثير من المتابعين أن قطاع التعليم لا يزال يواجه تحديات عميقة تتطلب معالجة
جذرية أكثر من حاجتها إلى خطابات مطمئنة أو أرقام رسمية.
ويعتبر عدد كبير من أولياء أمور
التلاميذ أن نجاح أي إصلاح تعليمي لا يقاس بالبلاغات الحكومية ولا بالتقارير
التقنية التي يتم عرضها في المؤسسات الرسمية، بل يقاس بمدى التحسن الفعلي الذي
يلمسونه في المسار الدراسي لأبنائهم داخل الأقسام الدراسية. ويشير هؤلاء إلى أن
العديد من المدارس لا تزال تعاني من مشاكل الاكتظاظ وضعف التجهيزات والنقص في
الموارد البشرية، وهي اختلالات يرون أنها تؤثر بشكل مباشر على جودة التعلمات وعلى
فرص التلاميذ في التحصيل الجيد.
وفي العديد من المناطق القروية
والهامشية ما زالت الأسر تواجه صعوبات كبيرة مرتبطة بالنقل المدرسي وبعد المؤسسات
التعليمية وضعف البنيات التحتية الأساسية. ويرى أولياء التلاميذ أن الحديث عن نجاح
الإصلاحات يجب أن يأخذ بعين الاعتبار هذه الفوارق المجالية التي تجعل الاستفادة من
الخدمات التعليمية غير متكافئة بين مختلف جهات المملكة. كما يعتبرون أن العدالة
التعليمية الحقيقية لا يمكن تحقيقها دون معالجة هذه الاختلالات بشكل شامل ومستدام.
أما الأطر التعليمية فتؤكد من جهتها
أن جزءا مهما من مشاكل المدرسة العمومية يرتبط بطريقة تدبير الإصلاحات المتعاقبة
التي غالبا ما يتم تنزيلها في ظروف صعبة وضمن آجال زمنية ضيقة. ويشتكي عدد من
المدرسين من تزايد الأعباء المهنية والإدارية التي ترافق المشاريع الجديدة دون
توفير الإمكانيات الكافية لإنجاحها. ويرى هؤلاء أن أي إصلاح لا يضع الأستاذ في صلب
العملية التعليمية محكوم عليه بمواجهة صعوبات كبيرة أثناء التنفيذ.
ويؤكد فاعلون تربويون أن المدرسة
المغربية عاشت خلال العقود الأخيرة على إيقاع سلسلة طويلة من البرامج والمخططات
التي قدمت باعتبارها حلولا نهائية لأزمة التعليم، غير أن أغلبها لم يحقق الأهداف
المعلنة بالشكل الذي كان ينتظره المواطنون. ولذلك ينظر كثير من العاملين في القطاع
بحذر إلى الوعود الجديدة، معتبرين أن التجارب السابقة تفرض تقييم النتائج بواقعية
بعيدا عن المبالغة في تقديم الحصيلة.
كما يرى عدد من المتتبعين أن فقدان
الثقة بين الوزارة وبعض مكونات الأسرة التعليمية لا يزال يمثل أحد أكبر التحديات
التي تواجه ورش الإصلاح. فبعد سنوات من الاحتجاجات والإضرابات والخلافات حول عدد
من الملفات المهنية، أصبحت فئات واسعة من الشغيلة التعليمية تتعامل بحذر مع
المبادرات الحكومية الجديدة. ويعتبر هؤلاء أن الحوار الحقيقي والإنصات للمطالب
المهنية يشكلان مدخلا أساسيا لإعادة بناء هذه الثقة.
وتشير آراء تربوية متعددة إلى أن جودة
التعليم لا ترتبط فقط بالمناهج الدراسية أو بالبرامج الجديدة، بل تشمل أيضا ظروف
العمل داخل المؤسسات التعليمية ومستوى التحفيز المهني الذي تستفيد منه الأطر التربوية
والإدارية. فالأستاذ الذي يشتغل في ظروف صعبة ويواجه ضغوطا متزايدة يجد نفسه عاجزا
عن تقديم أفضل ما لديه مهما كانت جودة البرامج المعتمدة أو طموح الإصلاحات المعلنة.
وفي المقابل تواصل الحكومة الدفاع عن
مشروع مدارس الريادة وتؤكد أن المؤشرات الأولية المسجلة تبين وجود تحسن في مستوى
التعلمات وفي الأداء التربوي داخل المؤسسات المستفيدة من المشروع. كما تشدد على أن
الإصلاح يحتاج إلى الوقت الكافي حتى تظهر نتائجه بشكل واضح وأن تقييمه يجب أن يتم
وفق معايير علمية دقيقة بعيدا عن الأحكام المسبقة أو الانطباعات الآنية.
غير أن المنتقدين يردون بأن المواطن
العادي لا يهمه كثيرا حجم الاعتمادات المالية المرصودة أو عدد المشاريع التي تم
إطلاقها، بقدر ما يهمه أن يرى مدرسة عمومية قادرة على توفير تعليم جيد لأبنائه في
ظروف مناسبة. ويؤكدون أن الرهان الحقيقي يكمن في تحسين جودة التعلمات وتقليص الهدر
المدرسي والرفع من كفاءة التلاميذ في المواد الأساسية وليس فقط في تقديم مؤشرات
كمية قد لا تعكس الواقع بشكل كامل.
ويجمع كثير من المهتمين بالشأن
التربوي على أن التعليم يظل أحد أكثر الملفات حساسية داخل المجتمع المغربي نظرا
لارتباطه المباشر بمستقبل الأجيال وبقدرة البلاد على تحقيق التنمية الاقتصادية
والاجتماعية. ولذلك فإن أي إصلاح في هذا القطاع يحتاج إلى تعبئة جماعية وإلى إشراك
فعلي لجميع المتدخلين من أسر ومدرسين وإداريين وخبراء ومجتمع مدني.
وفي ظل استمرار الجدل بين الخطاب
الحكومي والانتقادات الصادرة عن أولياء التلاميذ والأطر التعليمية، يبدو أن
المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مدى نجاح مشروع مدارس الريادة وقدرته على
تحقيق الأهداف المعلنة. فالرأي العام ينتظر نتائج ملموسة على أرض الواقع أكثر من
انتظاره للتصريحات الرسمية، كما أن ثقة المواطنين في المدرسة العمومية ستظل مرتبطة
بما يلمسونه يوميا من تحسن فعلي داخل الفصول الدراسية وليس بما يرد في التقارير
والبلاغات الحكومية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك