الحكومة الجديدة تتجه لإعادة رسم خريطة أسعار المواد الغذائية و قانون مالية 2027 يُضيّق الخناق على المضاربين

الحكومة الجديدة تتجه لإعادة رسم خريطة أسعار المواد الغذائية و قانون مالية 2027 يُضيّق الخناق على المضاربين
اقتصاد / الإثنين 26 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:لبنى مطرفي

تستعد الحكومة المغربية لإطلاق حزمة من التدابير الرامية إلى الحد من المضاربة والاختلالات التي تطبع مسالك تسويق المواد الغذائية، في إطار مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي يراهن على تقليص تكاليف الوساطة وتعزيز المنافسة والشفافية، بهدف كبح الارتفاعات غير المبررة في أسعار المنتجات الأساسية وحماية القدرة الشرائية للأسر.

وتضع التدابير المقترحة ضبط تكاليف الإنتاج والتخزين والنقل في صلب معالجة غلاء المواد الغذائية، إلى جانب إقرار هوامش تجارية تتناسب مع الخدمات المقدمة، بما يحقق التوازن بين تمكين المستهلكين من اقتناء حاجياتهم بأسعار معقولة وضمان أرباح منصفة للمنتجين.

وتؤكد المذكرة التقديمية للمشروع أن إصلاح قنوات التوزيع وأسواق الجملة يشكل مدخلاً أساسياً لتقليص الخسائر وتكاليف الوساطة، وتحسين ظروف المنافسة، وتعزيز شفافية المعاملات التجارية. كما يرتقب أن تشكل السنة المقبلة مرحلة للتنزيل العملي لآليات جديدة للتتبع والضبط والإنذار المبكر، بما يسمح بالتدخل الاستباقي لمواجهة الاختلالات التي قد تعرفها الأسواق.

وفي مقدمة الإجراءات المرتقبة، تعتزم الحكومة وضع مخططات موسمية لتأمين تموين السوق الوطنية بالمنتجات الاستراتيجية، تشمل الحبوب والبطاطس والبصل والطماطم واللحوم الحمراء والسردين وزيت الزيتون، بهدف تحقيق التوازن بين حاجيات الاستهلاك والإنتاج المتوقع والمخزونات المتاحة والصادرات المبرمجة.

وستمكن هذه الآلية من رصد حالات الخصاص قبل تفاقمها، وتحديد التدخلات اللازمة، سواء من خلال تعبئة المخزونات أو دعم الإنتاج أو الترخيص بالاستيراد المؤقت، بما يضمن استمرارية التموين ويحد من التقلبات التي قد تنعكس على الأسعار.

وبموازاة ذلك، يتجه مشروع قانون المالية إلى إعادة توجيه الدعم الفلاحي نحو رفع الإنتاجية وترشيد استهلاك الموارد المائية وتعزيز قدرة القطاع على مواجهة الأزمات، مع إعطاء أهمية خاصة للاستغلاليات العائلية والمتوسطة وتنظيمات المنتجين. وسيتم تأطير هذا الدعم عبر عقود تحدد الأهداف والالتزامات الملقاة على عاتق المستفيدين، بما يربط المساعدات العمومية بنتائج ملموسة على مستوى الإنتاج وتموين السوق.

وفي مواجهة حالات الخصاص الاستثنائي، تعتزم الحكومة اعتماد تدابير مؤقتة ومتناسبة لضبط الصادرات من المواد الأساسية، استناداً إلى مؤشرات مرتبطة بمستويات المخزون والأسعار ومدة تغطية الحاجيات الوطنية، مع مراعاة الالتزامات التجارية والعقود السارية. كما ينص التوجه المقترح على إعداد جدول توقعي للواردات عند توقع حدوث عجز، إلى جانب إمكانية تخفيض الرسوم الجمركية لتسهيل استيراد المنتجات الضرورية.

وفي خطوة تستهدف معالجة الاختلالات البنيوية في قنوات التسويق، يرتقب إعداد إطار تشريعي جديد لتنظيم إحداث أسواق الجملة وتدبيرها، سواء من طرف القطاع العام أو الخاص، مع تحديد مسؤوليات الدولة والجماعات الترابية، وتوضيح حقوق والتزامات تجار الجملة والوسطاء.

ويشمل الإصلاح المرتقب مراجعة نظام الوكلاء، وفصل استخلاص الجبايات المحلية عن إلزامية المرور الفعلي عبر أسواق الجملة، في مسعى إلى الحد من الأعباء التي تثقل كاهل المنتجين والتجار، وفتح المجال أمام مسالك تسويق أكثر مرونة وتنافسية.

كما يتضمن المشروع الشروع في إحداث ست شركات جهوية للتوزيع على مستوى الأحواض الفلاحية الكبرى بسوس وتادلة والغرب واللوكوس ودكالة عبدة والشرق، وفق دفتر تحملات موحد يخضع لافتحاص سنوي، مع ضمان الشفافية في تحديد الأسعار والرسوم.

وتؤكد المذكرة التقديمية أن هذه الشركات لن تتحول إلى وسطاء عموميين يحتكرون شراء المنتجات وإعادة بيعها، بل ستتولى توفير خدمات لفائدة الفلاحين والتعاونيات، تشمل تجميع المحاصيل وفرزها وتلفيفها وتبريدها ونقلها، مع تمكين المنتجين من تسويق بضائعهم عبر المزادات أو العقود المبرمة مع مختلف المشترين.

ويراهن هذا النموذج على إتاحة فرص متكافئة أمام الفاعلين الاقتصاديين، وتنويع قنوات التسويق، وتعزيز المنافسة بين البيع المباشر والمسالك القصيرة وأسواق الجملة، بما قد يساهم في تقليص حلقات الوساطة التي ترفع الأسعار دون أن تضيف قيمة حقيقية للمنتجات.

وفي القطاع البحري، يرتقب إطلاق مشاريع لإنشاء وحدات للتخزين بالتبريد وفق تعريفات تحفيزية في عدد من موانئ الصيد التقليدي، خاصة بالعرائش والحسيمة وآسفي وطانطان والعيون والداخلة. وتهدف هذه المنشآت إلى تحسين ظروف حفظ الأسماك، والحد من الخسائر، وتعزيز قدرة الصيادين على التفاوض بشأن أسعار البيع.

وتتجه الحكومة كذلك إلى تطوير عقود للتموين المباشر تربط المنتجين والتعاونيات بتجار التقسيط والأسواق التجارية الكبرى ومؤسسات الإطعام الجماعي، بما يسمح بتقليص عدد الوسطاء وتوفير قنوات أكثر استقراراً لتسويق المنتجات.

وعلى مستوى تسويق اللحوم الحمراء والأسماك، تتضمن التدابير المرتقبة تحديث آليات التتبع والمراقبة، من خلال التعريف الرقمي للقطيع، وتأهيل أسواق الماشية والمجازر، واعتماد الوزن والفوترة، وتعزيز إمكانية تتبع الذبائح. أما منتجات الصيد البحري، فسيجري العمل على تحسين ظروف حفظها في الموانئ ونقط التفريغ، ورقمنة عمليات البيع الأول، وتطوير النقل المبرد نحو الأسواق الداخلية.

وفي موازاة إصلاح قنوات التوزيع، يعتزم المشروع إرساء نظام وطني للمعلومات حول أسواق المواد الغذائية، يتيح تتبع تطور أسعار المنتجات ذات الأولوية عند الإنتاج وفي أسواق الجملة والبيع بالتقسيط، إلى جانب رصد المخزونات وتدفقات التموين.

وسيضم النظام الجديد قاعدة معلومات تشمل الحبوب والبطاطس والبصل والطماطم واللحوم الحمراء والسردين وزيت الزيتون، مع توفير آليات للإنذار المبكر عند تسجيل ارتفاع غير اعتيادي في الهوامش التجارية أو ظهور اضطرابات في توفر المنتجات.

كما تراهن الحكومة على تعزيز المراقبة المستمرة القائمة على تقييم المخاطر، والإدماج التدريجي للفوترة الرقمية وآليات التتبع الصحي والجبائي، بهدف التصدي للتخزين الموجه للمضاربة، والممارسات المنافية للمنافسة، والتلاعب بأوزان المنتجات وجودتها.

وتضع هذه الإجراءات مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام اختبار فعلي يتمثل في تحويل التدابير المعلنة إلى نتائج ملموسة في الأسواق، خصوصاً عبر تقليص الفارق بين أسعار البيع عند المنتجين والأسعار التي يؤديها المستهلكون. ويبقى مدى تأثير الإصلاحات المرتقبة على القدرة الشرائية مرتبطاً بفعالية آليات التنفيذ والمراقبة، ومدى قدرتها على معالجة الاختلالات التي تتجاوز مجرد ارتفاع تكاليف الإنتاج إلى بنية التوزيع وتعدد حلقات الوساطة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك