أنتلجنسيا:أبو آلاء
يتجه المغرب نحو فتح واحدة من أكثر الأسواق المالية حساسية أمام المستثمرين الدوليين، بعدما دخلت الديون المتعثرة دائرة اهتمام مؤسسة التمويل الدولية، التابعة لمجموعة البنك الدولي، في خطوة قد تعيد رسم طريقة تعامل القطاع البنكي مع القروض التي طال أمد تعثرها.
وتستعد مؤسسة التمويل الدولية للدخول إلى هذا المجال بشراكة مع المجموعة الألمانية «EOS»، المتخصصة في شراء وإدارة الأصول والديون المتعثرة، في وقت تعمل فيه المملكة على وضع الأسس القانونية والتنظيمية لسوق ثانوية تسمح بتداول هذا النوع من الديون خارج الميزانيات البنكية.
وبحسب المعطيات التي نقلها موقع «الشرق بلومبرغ»، فإن المؤسسة الدولية و«EOS» تتجهان إلى إطلاق آلية استثمارية تصل قيمتها إلى 60 مليون يورو، بتمويل متساوٍ بين الطرفين، بهدف اقتناء وإدارة محافظ من القروض المتعثرة المستحقة على شركات مغربية.
ولا تستهدف العملية فئة واحدة من المدينين، إذ يُرتقب أن تشمل المقاولات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب الشركات الكبرى، فضلاً عن بعض الأصول العقارية التي انتقلت إلى حيازة المؤسسات المالية نتيجة عمليات تحصيل الديون.
وتبرز أهمية هذه الخطوة أكثر بالنظر إلى الحجم المتزايد للديون التي تواجه صعوبات في التحصيل داخل القطاع البنكي المغربي، بعدما تجاوزت القروض المتعثرة، وفق أحدث المعطيات المشار إليها، سقف 104 مليارات درهم، وهو رقم يحول هذا الملف من مجرد عبء على الأبناك إلى سوق استثمارية تستقطب مؤسسات متخصصة في شراء الأصول المتعثرة وإعادة هيكلتها.
لكن الرهان لا يتوقف عند شراء الديون، إذ ستتولى «EOS» أيضاً إدارة المحافظ التي سيتم اقتناؤها، بما يشمل عمليات التحصيل وإعادة الهيكلة، في نموذج سبق لمؤسسة التمويل الدولية اعتماده في عدد من الأسواق الناشئة بهدف مساعدة المؤسسات المالية على التخلص من القروض غير المنتجة واستعادة قدرتها على ضخ تمويلات جديدة في الاقتصاد.
ويأتي التحرك الدولي بالتزامن مع توجه رسمي مغربي نحو إخراج سوق ثانوية للديون المتعثرة من مرحلة التصور إلى التطبيق. وكانت وزارة الاقتصاد والمالية قد طرحت مشروع إطار قانوني يسمح للأبناك ببيع القروض المتعثرة إلى جهات متخصصة، مع وضع العملية تحت ضوابط تنظيمية ورقابة بنك المغرب.
وتراهن السلطات على أن يؤدي هذا المسار إلى تخفيف الضغط عن الميزانيات البنكية، وتحسين إدارة المخاطر، والتخلص من الأصول التي تستنزف الموارد، بما يسمح بتحرير جزء من السيولة وإعادة توجيهها نحو تمويل الأسر والمقاولات والأنشطة الاقتصادية.
غير أن المفارقة تكمن في أن السوق الجديدة تتشكل في وقت لا تزال فيه المقاولات الصغيرة والمتوسطة تعاني من صعوبة كبيرة في الحصول على التمويل، إذ تقدر مؤسسة التمويل الدولية فجوة تمويل المقاولات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في المغرب بنحو 20.4 مليار دولار.
وتزداد حدة المفارقة مع كون قروض المقاولات الصغيرة والمتوسطة لا تتجاوز 15 في المائة من إجمالي القروض البنكية، وفق تشخيص حديث للمؤسسة حول واقع القطاع الخاص المغربي.
وبذلك لا يتعلق الأمر فقط بإيجاد مشترين للديون التي عجز أصحابها عن الوفاء بها، بل بإعادة ترتيب دورة الائتمان نفسها داخل الاقتصاد المغربي. فنجاح السوق الثانوية المنتظرة سيُقاس في نهاية المطاف بقدرتها على تنظيف ميزانيات الأبناك دون تحويل عبء التعثر إلى نهاية الطريق بالنسبة للمقاولات المتعثرة، وبقدرتها أيضاً على إعادة الأموال المجمدة في القروض غير المنتجة إلى الدورة الاقتصادية من جديد.
ومع دخول مؤسسة التمويل الدولية وفاعل ألماني متخصص على خط السوق المغربية، يبدو أن ملف الديون المتعثرة انتقل من كونه مشكلة بنكية داخلية إلى فرصة استثمارية تراقبها المؤسسات المالية الدولية عن كثب، في انتظار أن تكشف التجربة المغربية ما إذا كانت هذه السوق ستصبح أداة حقيقية لإنعاش التمويل، أم مجرد بوابة جديدة لاستثمار الأرباح في ديون الشركات المتعثرة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك