عجز يتضخم وجيوب تُستنزف ومالية الدولة تحت الضغط رغم ارتفاع الضرائب وتدفق المداخيل

عجز يتضخم وجيوب تُستنزف ومالية الدولة تحت الضغط رغم ارتفاع الضرائب وتدفق المداخيل
اقتصاد / السبت 13 يونيو 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:لبنى مطرفي

رغم الارتفاع المتواصل في المداخيل الجبائية وتزايد الأموال التي ضختها الضرائب في خزينة الدولة، تكشف الأرقام الرسمية أن الميزانية المغربية تواصل الغرق في دائرة العجز، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين الموارد المتحصلة والنفقات المتسارعة التي تلتهم جزءاً كبيراً من إمكانيات المالية العمومية.

المعطيات الجديدة الصادرة عن الخزينة العامة للمملكة ترسم صورة لافتة لوضعية الميزانية خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026، حيث قفز العجز إلى 27,8 مليار درهم، مقابل 22,9 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، ما يعني أن العجز واصل منحاه التصاعدي رغم التحسن الملحوظ في عائدات الضرائب وارتفاع الإيرادات العادية للدولة.

هذا التطور يثير تساؤلات متزايدة حول فعالية السياسات المالية المعتمدة، خاصة أن الدولة نجحت في تعزيز مواردها الجبائية من مختلف القنوات، سواء عبر الضرائب المباشرة أو غير المباشرة أو الرسوم الجمركية ورسوم التسجيل والتمبر. غير أن هذه الزيادة لم تكن كافية لمواكبة الإيقاع المرتفع للنفقات العمومية التي واصلت الصعود بوتيرة أسرع من نمو المداخيل.

وبحسب الأرقام الرسمية، تجاوزت المداخيل العادية حاجز 182 مليار درهم، مسجلة نمواً ملحوظاً مقارنة بالسنة الماضية. ويعكس هذا الارتفاع استمرار الضغط الجبائي وتحسن مردودية التحصيل الضريبي، حيث ساهمت مختلف أصناف الضرائب في تعزيز موارد الدولة. لكن في المقابل، سجلت المداخيل غير الضريبية تراجعاً واضحاً، ما حرم الميزانية من مورد إضافي كان من الممكن أن يخفف من حدة الاختلال المالي.

الوجه الآخر للصورة يكمن في النفقات التي واصلت الارتفاع بشكل لافت، إذ تجاوزت المصاريف الصادرة برسم الميزانية العامة 257 مليار درهم، مدفوعة أساساً بزيادة كبيرة في نفقات التسيير والاستثمار. وتظهر هذه الأرقام أن الدولة تواصل ضخ اعتمادات مهمة لتغطية التكاليف التشغيلية وتمويل المشاريع العمومية، غير أن ذلك يتم بثمن مالي مرتفع ينعكس مباشرة على مستوى العجز.

كما أن تطور النفقات يكشف أن جزءاً مهماً من الموارد المتاحة يذهب لتغطية أعباء التسيير والإدارة، في وقت تتزايد فيه المطالب الاجتماعية والاقتصادية الموجهة إلى الحكومة لتحسين الخدمات العمومية وتعزيز القدرة الشرائية للمواطنين ومواجهة التحديات الاقتصادية المتزايدة.

ورغم التراجع الطفيف في تحملات الدين العمومي، فإن فاتورة الفوائد واصلت الارتفاع، ما يؤكد أن خدمة الدين ما تزال تستنزف مليارات الدراهم سنوياً. فبينما انخفضت مبالغ سداد أصل الدين، ارتفعت فوائد الديون المستحقة، وهو ما يعكس استمرار الضغوط المرتبطة بتمويل الخزينة والحفاظ على توازناتها المالية في ظل بيئة اقتصادية تتسم بتحديات داخلية وخارجية متشابكة.

وفي المقابل، ساهمت الحسابات الخصوصية للخزينة في توفير متنفس نسبي للمالية العمومية عبر تحقيق فائض مالي مهم، كما سجلت مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة نتائج مالية أقل حجماً مقارنة بالسنة الماضية. غير أن هذه الفوائض لم تكن كافية لإخفاء حقيقة اتساع العجز العام الذي يظل المؤشر الأبرز على وضعية الميزانية.

ويرى متابعون للشأن الاقتصادي أن استمرار ارتفاع العجز رغم نمو الإيرادات الضريبية يسلط الضوء على معضلة هيكلية تتمثل في تسارع وتيرة الإنفاق العمومي مقارنة بقدرة الموارد على مواكبته. كما يطرح أسئلة جوهرية حول مدى قدرة المالية العمومية على الحفاظ على توازناتها مستقبلاً إذا استمرت النفقات في الصعود بوتيرة تفوق نمو المداخيل.

وتأتي هذه المؤشرات في سياق اقتصادي دقيق، يتسم باستمرار الضغوط المرتبطة بتمويل البرامج الاجتماعية والاستثمارات العمومية الكبرى، إلى جانب التحديات المرتبطة بتقلبات الاقتصاد العالمي وارتفاع كلفة التمويل وأسعار الفائدة في الأسواق الدولية.

وفي المحصلة، تكشف أرقام نهاية ماي أن الدولة تجمع ضرائب أكثر من السابق، لكنها في الوقت نفسه تنفق أكثر أيضاً، ما يجعل العجز يواصل تمدده سنة بعد أخرى. وبين ارتفاع المداخيل واتساع المصاريف، تبقى معادلة التوازن المالي واحدة من أكبر التحديات التي تواجه المالية العمومية المغربية خلال المرحلة المقبلة، في وقت تتزايد فيه انتظارات المواطنين وتتعاظم كلفة الإصلاحات والبرامج الاقتصادية والاجتماعية.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك