طوفان القروض يجتاح المغرب والبنوك تضخ أزيد من 1200 مليار درهم والمقاولات تبتلع النصيب الأكبر وسط سباق الاستثمار والاستهلاك

طوفان القروض يجتاح المغرب والبنوك تضخ أزيد من 1200 مليار درهم والمقاولات تبتلع النصيب الأكبر وسط سباق الاستثمار والاستهلاك
اقتصاد / الخميس 04 يونيو 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:لبنى مطرفي

في مشهد اقتصادي يكشف عن تسارع غير مسبوق في حركة التمويل داخل المغرب، واصلت القروض البنكية تسجيل أرقام قياسية جديدة خلال الأشهر الأولى من سنة 2026، لتؤكد المؤسسات البنكية أنها أصبحت لاعباً محورياً في تحريك عجلة الاقتصاد وتمويل مختلف الفاعلين، سواء من عالم الأعمال أو من الأسر الباحثة عن السكن والاستهلاك، في وقت تطرح فيه هذه الأرقام تساؤلات حول حجم المديونية المتنامية وقدرة الاقتصاد الوطني على تحويل هذا التدفق المالي الضخم إلى نمو حقيقي ومستدام.

وأظهرت أحدث المعطيات الصادرة عن بنك المغرب أن الحجم الإجمالي للقروض الممنوحة من طرف البنوك بلغ مع نهاية شهر أبريل الماضي ما مجموعه 1246,8 مليار درهم، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 7,8 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، وهو ما يعكس استمرار الدينامية التمويلية التي تعرفها السوق البنكية المغربية رغم التحديات الاقتصادية والضغوط المرتبطة بالأسعار وكلفة المعيشة.

وتبرز هذه الأرقام أن القطاع البنكي يواصل ضخ سيولة مهمة في مختلف مفاصل الاقتصاد الوطني، حيث شمل النمو كلاً من المقاولات والأسر والمؤسسات المالية، في مؤشر على اتساع دائرة الطلب على التمويل وتزايد الاعتماد على القروض كآلية أساسية لدعم الاستثمار وتغطية الحاجيات الاقتصادية المتنامية.

وسجلت القروض الموجهة إلى المقاولات والأشخاص والهيئات غير المالية ارتفاعاً بنسبة 8,1 في المائة على أساس سنوي، وهو معدل يفوق النمو العام للقروض، ما يعكس النشاط المتزايد الذي تعرفه هذه الفئات داخل الدورة الاقتصادية. كما شهدت القروض المخصصة للمؤسسات المالية بدورها نمواً بنسبة 6,2 في المائة، الأمر الذي يعكس استمرار حركة التمويل داخل المنظومة المالية نفسها.

وفي قلب هذه الدينامية، برزت المقاولات الخاصة غير المالية باعتبارها المستفيد الأكبر من توسع الإقراض البنكي، حيث ارتفعت التمويلات الموجهة إليها بنسبة 6,4 في المائة. ويعكس هذا الارتفاع توجه عدد متزايد من الشركات نحو تعزيز استثماراتها وتوسيع قدراتها الإنتاجية في ظل رهانات اقتصادية كبرى تستعد لها المملكة خلال السنوات المقبلة.

وكان اللافت في هذه المؤشرات هو القفزة الكبيرة التي سجلتها قروض التجهيز، والتي تعد المؤشر الأوضح على الاستثمار المنتج، إذ ارتفعت بنسبة 14,5 في المائة، ما يدل على إقبال متزايد للمقاولات على اقتناء المعدات وتحديث وسائل الإنتاج وتطوير البنيات التشغيلية. ويرى متابعون أن هذا المعطى يعكس نوعاً من الثقة لدى جزء من الفاعلين الاقتصاديين في آفاق السوق المغربية، رغم استمرار التحديات المرتبطة بالمنافسة والتمويل وكلفة الإنتاج.

كما سجلت القروض الموجهة لقطاع الإنعاش العقاري نمواً بنسبة 7 في المائة، في إشارة إلى استمرار النشاط داخل سوق العقار وتمسك المنعشين العقاريين بخططهم الاستثمارية، بينما ارتفعت تسهيلات الخزينة بنسبة 3,4 في المائة، وهي التمويلات التي تعتمد عليها المقاولات لتغطية احتياجاتها المالية قصيرة الأمد وضمان استمرارية أنشطتها اليومية.

أما على مستوى الأسر المغربية، فقد واصل الاقتراض منحاه التصاعدي ولكن بوتيرة أكثر هدوءاً مقارنة بالمقاولات. فقد ارتفعت القروض الممنوحة للأفراد بنسبة 3,6 في المائة، ما يعكس استمرار الحاجة إلى التمويل في ظل الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه العديد من الأسر.

ويعود هذا التطور أساساً إلى استمرار الطلب على القروض السكنية التي سجلت زيادة بنسبة 3 في المائة، ما يؤكد أن حلم امتلاك السكن ما زال يدفع آلاف الأسر إلى طرق أبواب الأبناك للحصول على التمويل اللازم. كما ارتفعت قروض الاستهلاك بنسبة 4,8 في المائة، في مؤشر يعكس تنامي الاعتماد على الاقتراض لتغطية المصاريف اليومية واقتناء السلع والخدمات في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.

وتكشف هذه المؤشرات أن الاقتصاد المغربي يعيش مرحلة توسع واضحة في التمويل البنكي، غير أن القراءة العميقة لهذه الأرقام لا تتوقف عند حجم الأموال المتداولة فقط، بل تمتد إلى طبيعة الوجهات التي تذهب إليها هذه القروض ومدى قدرتها على خلق قيمة مضافة وفرص شغل وتحقيق نمو اقتصادي فعلي. فبينما تعكس الزيادة القوية في قروض الاستثمار مؤشرات إيجابية على مستوى النشاط الاقتصادي، فإن ارتفاع المديونية الاستهلاكية يطرح في المقابل تحديات مرتبطة بالقدرة الشرائية للأسر ومستقبل التوازنات المالية الشخصية.

وفي المحصلة، تؤكد الأرقام الجديدة أن الأبناك المغربية تواصل لعب دور المحرك المالي الأول للاقتصاد الوطني، عبر ضخ مئات المليارات من الدراهم في شرايين السوق، فيما تبقى الرهانات الحقيقية مرتبطة بمدى نجاح هذه الموارد المالية الضخمة في تحويل الانتعاش الائتماني إلى تنمية اقتصادية ملموسة يشعر المواطن والمقاولة بآثارها المباشرة على أرض الواقع.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك