زلزال ضريبي يضرب شركات "الكاش" وافتحاصات تكشف اقتصادًا موازياً داخل مقاولات رسمية

زلزال ضريبي يضرب شركات "الكاش" وافتحاصات تكشف اقتصادًا موازياً داخل مقاولات رسمية
اقتصاد / الجمعة 20 مارس 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

تفجّرت معطيات ثقيلة من قلب المراقبة الجبائية بالمغرب، بعدما باشرت مديريات جهوية وإقليمية للضرائب حملة تدقيق واسعة طالت عشرات الشركات، خاصة المنتشرة على المحور الاقتصادي الحيوي بين الرباط والدار البيضاء، لتكشف عن اختلالات خطيرة مرتبطة بالاعتماد المكثف على الأداء النقدي خارج الضوابط القانونية، في ما يشبه اقتصادًا موازياً يشتغل داخل مقاولات مصنفة رسميًا.

المصادر المطلعة تؤكد أن عمليات الافتحاص الجبائي والمحاسبي أبانت عن لجوء هذه الشركات إلى تسوية معاملاتها مع المزودين عبر “الكاش” بمبالغ تتجاوز السقوف المحددة قانونًا، إذ تم رصد أداءات نقدية تفوق 5 آلاف درهم يوميًا للمورد الواحد، وتتجاوز 50 ألف درهم شهريًا، في خرق مباشر لمقتضيات المدونة العامة للضرائب. هذه الممارسات لم تمر دون تبعات، حيث فقدت شركات حقها في خصم الضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة، ما يضعها أمام أعباء مالية ثقيلة قد تهدد استمراريتها.

وتكشف المعطيات ذاتها أن دائرة المراقبة توسعت لتشمل 87 شركة، أغلبها من فئة المقاولات الصغرى والصغيرة جدًا، ما يعكس هشاشة في تدبيرها المالي واعتمادها على ممارسات غير مهيكلة لتدبير سيولتها. الأخطر أن التقديرات الأولية لمراقبي الضرائب تشير إلى أن اللجوء إلى الأداء النقدي لم يكن مجرد خيار تقني، بل آلية ممنهجة رفعت الكلفة الحقيقية للمعاملات بنحو 30 في المائة، نتيجة عمليات مالية خارج القنوات الرسمية، استُخدمت لتقليص العبء الضريبي بشكل غير قانوني.

التحقيقات كشفت أيضًا عن أساليب معقدة للتحايل، من بينها سحب مبالغ مالية كبيرة نقدًا من الحسابات البنكية على دفعات، بعد إيداعها عبر شيكات مسطرة باسم الشركات، في محاولة للالتفاف على المراقبة البنكية والضريبية. كما تم رصد تلاعبات في الفواتير، سواء عبر تخفيض قيمتها أو الإدلاء بتصريحات غير دقيقة حول المداخيل، ما يعزز فرضية وجود نية مبيتة للتهرب الضريبي وليس مجرد أخطاء محاسبية.

ومن بين المعطيات اللافتة التي كشفتها عمليات الاستفسار، تعرض بعض أرباب الشركات لضغوط من مزودين يفرضون أسعارًا منخفضة مقابل الأداء النقدي الفوري، ما دفع العديد منهم، خاصة الذين يفتقرون لتكوين محاسبي أو لا يستعينون بخبراء مختصين، إلى الانخراط في هذه الممارسات مقابل الاحتفاظ بفواتير اعتبروها كافية لتبرير معاملاتهم، قبل أن يكتشفوا أنها لا توفر الحماية القانونية المطلوبة.

في خلفية هذا المشهد، تبرز المادة الحادية عشرة من المدونة العامة للضرائب كأداة حاسمة لضبط هذه الانحرافات، إذ تمنع خصم النفقات غير الموثقة أو التي تتم خارج القنوات الرسمية، في إطار سعي الدولة إلى فرض شفافية مالية أكبر وتقليص الاعتماد على السيولة النقدية التي تُعد بيئة خصبة للتهرب الضريبي.

تحليليًا، تعكس هذه الحملة بداية مرحلة جديدة من الصرامة الجبائية، تستهدف تفكيك ممارسات مترسخة داخل نسيج المقاولات الصغرى، وتضع حدًا لثقافة “الكاش” التي تحولت من وسيلة تسهيل إلى أداة تحايل. كما تطرح تساؤلات عميقة حول جاهزية هذه المقاولات للامتثال للقواعد المحاسبية الحديثة، ومدى قدرتها على التأقلم مع نظام ضريبي أكثر تشددًا.

في النهاية، لا تبدو هذه المراجعات مجرد إجراءات تقنية، بل رسالة واضحة مفادها أن زمن التساهل مع الاقتصاد غير المهيكل داخل الشركات قد انتهى، وأن المعركة ضد التهرب الضريبي دخلت مرحلة جديدة عنوانها: الشفافية أو العقاب.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك