أنتلجنسيا:أبو فراس
سجّل القضاء الإداري بالمغرب تصاعدًا لافتًا في عدد القضايا المرتبطة بالعقود الإدارية والصفقات العمومية خلال السنوات الأخيرة، في مؤشر يعكس حجم الإشكالات التي ما تزال تطبع تدبير الطلبيات العمومية، ويضع منظومة الحكامة والرقابة في صلب النقاش المؤسساتي.
وكشف محمد عبد النباوي، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، أن عدد الملفات المسجلة لدى المحاكم الإدارية انتقل من 1969 قضية سنة 2023 إلى 2218 قضية سنة 2024، قبل أن يقفز إلى 2577 قضية سنة 2025، وهو ما يعكس منحى تصاعديًا مستمرًا في حجم النزاعات ذات الصلة بالصفقات العمومية والعقود الإدارية.
وأوضح عبد النباوي، خلال ندوة نظمتها وزارة التجهيز والماء بالرباط حول “التدبير الأمثل للصفقات”، أن المحاكم الإدارية بدرجتيها الابتدائية والاستئنافية أصدرت ما مجموعه 6928 مقررًا قضائيًا خلال الفترة نفسها، استأثرت محاكم الرباط وحدها بنسبة 46 في المائة منها، ما يعكس تمركزًا واضحًا لهذا النوع من القضايا بالعاصمة، حيث تُدار نسبة مهمة من الصفقات الكبرى.
وفي قراءة تحليلية لهذه الأرقام، شدد المتحدث على أن القضاء، باعتباره ركيزة للأمن القضائي وحماية الحقوق، لم يكن بعيدًا عن النقاش العمومي الدائر حول إصلاح نظام الصفقات العمومية، مؤكداً أن السلطة القضائية تواكب هذا الورش بحرص كبير، انسجامًا مع مقتضيات الدستور، سواء في ما يتعلق بحماية المال العام أو صون الحقوق والحريات وضمان التوازن بين المصلحة العامة والخاصة.
وأشار عبد النباوي إلى أن القاضي الإداري يضطلع بدور محوري في مراقبة الصفقات العمومية وضبط توازناتها القانونية، باعتباره ضمانة أساسية للشرعية التعاقدية وللأمن القانوني والقضائي. ولفت إلى أن هذا الدور لا يهدف إلى تعطيل نشاط المرافق العمومية، بل إلى تنظيمه وفق قواعد الشفافية والمشروعية والحكامة الجيدة.
وسجل أن نظام الصفقات العمومية بالمغرب عرف إصلاحات متتالية، كان أبرزها المرسوم رقم 2.22.431 الصادر في 8 مارس 2023، والذي اعتُبر محطة مفصلية في مسار إصلاح طويل انطلق منذ المناظرة الوطنية للصفقات العمومية سنة 2009، وأسهم في تحديث الإطار القانوني للطلبيات العمومية وتعزيز آليات الرقابة.
وأكد أن الاجتهادات القضائية، سواء لمحكمة النقض أو للمحاكم الإدارية، ساهمت في إرساء قواعد متقدمة في هذا المجال، همّت تحديد الاختصاص القضائي في نزاعات الصفقات، وضبط شروط استحقاق الأداءات المالية، وتنظيم الجزاءات، ومراقبة قرارات الفسخ، مع الحرص على مبدأ التناسب بين الخطأ والجزاء، حماية للمال العام من جهة، وضمانًا لحقوق المقاولات الجادة من جهة أخرى.
وختم عبد النباوي بالتأكيد على انفتاح السلطة القضائية على مختلف الفاعلين المؤسساتيين، في إطار مقاربة تشاركية تروم إصلاح منظومة الصفقات العمومية، وتحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار وحماية المال العام، بما يعزز الثقة في الإدارة والقضاء على حد سواء.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك