المغرب يشيخ وقنبلة ديموغرافية تنفجر في وجه الدولة

المغرب يشيخ وقنبلة ديموغرافية تنفجر في وجه الدولة
اقتصاد / الأحد 18 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو آلاء

لم يعد التحول الديموغرافي في المغرب مجرد أرقام تقنية في تقارير رسمية، بل تحول إلى أزمة بنيوية مكتملة الأركان، تهدد التوازن الاجتماعي والاقتصادي للبلاد.

فالمملكة دخلت فعليًا مرحلة الشيخوخة السكانية بوتيرة متسارعة، في وقت ما تزال فيه السياسات العمومية عاجزة عن استيعاب هذا التحول أو مواكبته بإصلاحات جذرية تحمي المجتمع من ارتداداته الثقيلة.

أرقام صادمة:المسنون يتضاعفون والسكان لا ينمون

نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 تكشف واقعًا غير مسبوق: أكثر من 5 ملايين مغربي تجاوزوا سن الستين، أي ما يقارب 14% من مجموع السكان، بعدما كانوا أقل من نصف هذا الرقم قبل عشرين سنة فقط.

هذا الارتفاع الحاد لا يوازيه أي نمو ديموغرافي عام، بل يحدث في سياق تباطؤ واضح لعدد السكان، ما يجعل الشيخوخة هي المحرك الأساسي للتغير السكاني في البلاد.

جيل يتقلص وآخر يثقل كاهل الدولة

بينما تتسارع وتيرة نمو فئة المسنين بنسبة تفوق 4% سنويًا، لا يتجاوز نمو مجموع السكان 1%، في ظل تراجع الخصوبة وانكماش قاعدة الشباب.

الأطفال دون 15 سنة أصبحوا أقل من الثلث، والفئة النشيطة لم تعد تمثل سوى أقل من 60% من السكان، ما ينذر باختلال خطير في سوق الشغل، وأنظمة التقاعد، والقدرة على تمويل الحماية الاجتماعية.

الشيخوخة تلتهم المستقبل

مؤشر الشيخوخة قفز إلى مستويات مقلقة، حيث أصبح يقابل كل 100 طفل أكثر من 50 مسنًا، بعدما كان الرقم لا يتجاوز 26 قبل عقدين.

ومع استمرار هذا المنحى، تشير التوقعات إلى أن المغرب سيصل بحلول 2050 إلى وضع غير مسبوق، حيث سيعيل كل شخصين في سن العمل تقريبًا مسنًا واحدًا، وهو سيناريو يضع الدولة أمام معادلة مالية واجتماعية شبه مستحيلة.

المدن تشيخ أسرع من القرى

التحول الديموغرافي لا يتوزع بشكل متوازن، إذ تسجل المدن وتيرة شيخوخة أسرع من العالم القروي.

أكثر من ثلثي المسنين يعيشون اليوم في الوسط الحضري، حيث تتفاقم مشاكل السكن غير الملائم، وصعوبة التنقل، وضعف الولوج إلى الرعاية الصحية، والعزلة الاجتماعية، في غياب سياسات حضرية موجهة خصيصًا لهذه الفئة المتنامية.

جهات تئن تحت ثقل العمر

على المستوى الجهوي، تبرز خريطة غير متكافئة للشيخوخة، حيث تسجل جهات مثل الشرق، وبني ملال–خنيفرة، وفاس–مكناس نسبًا مرتفعة من المسنين، مقابل نسب أقل في الجهات الجنوبية.

تفاوت يعكس الهجرة الداخلية، والفقر، وتراجع الخصوبة، لكنه في المقابل يكشف غياب رؤية ترابية عادلة للتعامل مع التحول الديموغرافي.

شيخوخة بوجه نسائي هش

الشيخوخة في المغرب ليست فقط متسارعة، بل أيضًا مؤنثة بوضوح. النساء يشكلن الأغلبية في صفوف المسنين، وتزداد هيمنتهن مع التقدم في العمر، في ظل ارتفاع معدلات الترمل والهشاشة الاجتماعية.

أكثر من ثلث النساء المسنات يعشن دون شريك، وغالبًا دون دخل قار أو معاش، ما يجعل الشيخوخة عندهن مرادفًا للفقر والعزلة.

أمية وفقر وتقاعد شبه غائب

الواقع الاجتماعي للمسنين يكشف صورة قاتمة: أغلبية تعاني من الأمية، خاصة النساء، ونسبة ضئيلة فقط تظل نشيطة اقتصاديًا، في حين تبقى الاستفادة من أنظمة التقاعد امتيازًا محدودًا لا يشمل سوى أقلية.

ملايين المسنين يعيشون خارج أي حماية اجتماعية حقيقية، في بلد يعلن توسيع التغطية الاجتماعية لكنه يعجز عن إدماج من أفنوا عمرهم في بنائه.

صحة منهكة ورعاية غائبة

رغم توسع التغطية الصحية، إلا أن الشيخوخة تصطدم بفوارق مجالية وجندرية حادة، تجعل الاستفادة من العلاج والرعاية مسألة حظ أكثر منها حقًا.

نسب الإعاقة ترتفع بشكل مقلق مع التقدم في السن، ما يضاعف الطلب على الرعاية طويلة الأمد، في وقت لا يتوفر فيه المغرب على منظومة حقيقية للعناية بالمسنين.

مساكن بلا كرامة

على مستوى السكن، يمتلك أغلب المسنين مساكنهم، لكن ذلك لا يخفي هشاشة خطيرة في شروط العيش، خاصة في العالم القروي، حيث ما تزال آلاف البيوت تفتقر للماء الصالح للشرب والتطهير والكهرباء، ما يحول الشيخوخة إلى خطر صحي يومي، وليس مجرد مرحلة عمرية.

دولة تسبقها الشيخوخة وتغيب عنها السياسة

ما يكشفه هذا التحول الديموغرافي ليس فقط شيخوخة المجتمع، بل شيخوخة السياسات العمومية نفسها.

فالمغرب يشيخ بسرعة، بينما الإصلاحات الاجتماعية بطيئة، مجزأة، ومترددة.

وإذا لم تتحول الشيخوخة إلى أولوية وطنية عاجلة، فإن القنبلة الديموغرافية لن تنفجر في الأرقام فقط، بل في الاستقرار الاجتماعي برمته.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك