أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
لم يأت افتتاح الدورة التشريعية الجديدة، يوم الجمعة 9 أكتوبر الجاري، في سياق سياسي عادي، بل تزامن مع مرحلة انتقالية دقيقة، تتقاطع فيها استحقاقات تشكيل الحكومة المقبلة مع انتظارات اجتماعية واقتصادية متزايدة، وتحديات داخلية وخارجية تفرض إعادة ترتيب الأولويات الوطنية. وبينما لم تتشكل الحكومة الجديدة بعد، رسم الملك محمد السادس، في خطابه أمام أعضاء البرلمان، ملامح المرحلة المقبلة، واضعاً أمام المؤسسة التشريعية والسلطة التنفيذية المنتظرة جملة من الالتزامات التي تتجاوز التدبير اليومي للشأن العام، لتلامس طبيعة النموذج التنموي، وحدود نجاعة المؤسسات، وموقع المغرب في محيطه الإقليمي والدولي.
ويكشف الخطاب عن توجه يروم الانتقال من مرحلة تثبيت المكتسبات وإطلاق المشاريع الكبرى إلى مرحلة جديدة يصبح فيها معيار النجاح هو القدرة على تحويل الإنجازات الاقتصادية والبنيات التحتية والإصلاحات المؤسساتية إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين. كما يحمل رسائل واضحة بشأن ضرورة تجاوز الاختلالات التي تعرقل التنمية الترابية، ووضع الشباب في قلب السياسات العمومية، وتعزيز الأمن الاستراتيجي للمملكة، بالتوازي مع مراجعة مقاربة التعاون في مجال الهجرة، ولا سيما مع إسبانيا.
وتكمن أهمية هذه الرسائل في أنها تضع الحكومة المقبلة، قبل أن ترى النور، أمام جدول أعمال سياسي وتنموي محدد المعالم، وتعيد التأكيد على أن التحدي الأساسي لا يتعلق فقط بتشكيل أغلبية برلمانية قادرة على ضمان الاستقرار المؤسساتي، بل بمدى قدرتها على ترجمة التوجيهات الاستراتيجية إلى سياسات عمومية قابلة للقياس والتقييم، تستجيب لانتظارات المواطنين وتقلص الفوارق بين الجهات والفئات الاجتماعية.
أولاً: ولاية تشريعية جديدة أمام اختبار الانتقال من الإنجاز إلى الأثر الاجتماعي
استهل الملك خطابه بتهنئة أعضاء مجلس النواب الذين حظوا بثقة الناخبين، مستحضراً خصوصية الظرفية التي تنطلق فيها الولاية التشريعية الجديدة، باعتبارها مرحلة حافلة بفرص قد لا تتكرر لمواصلة الإنجازات الوطنية في مختلف المجالات. ولم يكن هذا التوصيف مجرد تقديم بروتوكولي لبداية دورة برلمانية، بل جاء مؤطراً لتوقعات واضحة من المؤسسات المنتخبة والحكومة التي ستنبثق عنها.
فالحديث عن ظرفية استثنائية، بما تنطوي عليه من فرص، يضع المسؤولين أمام مسؤولية استثمار التحولات الاقتصادية والجيوسياسية التي يعرفها العالم، وتحويلها إلى إمكانات فعلية لتعزيز موقع المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة. غير أن هذا الطموح، كما شدد الخطاب، لا يمكن أن ينفصل عن تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية.
وهنا تبرز إحدى القضايا المركزية التي تحكم التوجه العام للخطاب: لم يعد كافياً أن يحقق الاقتصاد معدلات نمو إيجابية أو أن تتوسع الاستثمارات وتتطور البنيات التحتية، ما لم تنعكس هذه الدينامية على ظروف عيش المواطنين، وعلى جودة الخدمات العمومية، وعلى فرص الشغل، وعلى تقليص التفاوتات بين المناطق.
إن الجمع بين الطموح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية يؤشر إلى أن المرحلة المقبلة مطالبة بتجاوز الفصل التقليدي بين منطق الاستثمار والإنتاج من جهة، ومنطق الحماية الاجتماعية وتحسين مستوى العيش من جهة أخرى. فنجاح النموذج التنموي لا يقاس فقط بحجم المشاريع المنجزة، وإنما كذلك بمدى توزيع ثمارها بصورة منصفة، وقدرتها على توفير فرص حقيقية للارتقاء الاجتماعي.
وبالنسبة إلى الحكومة التي لا تزال قيد التشكل، فإن هذا التوجه يضعها أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على دينامية الاستثمار والنمو، مع إعطاء الأولوية للنتائج الاجتماعية، وتجنب أن تتحول المؤشرات الاقتصادية الإيجابية إلى أرقام منفصلة عن الواقع اليومي للأسر المغربية.
ثانياً: الاعتزاز بالمغرب بين قوة الهوية وواجب المسؤولية الوطنية
عاد الملك محمد السادس إلى العبارة التي سبق أن عبّر عنها من المنبر البرلماني سنة 2014، حين أكد أن أغلى إحساس في حياته هو اعتزازه بمغربيته، مشدداً على أن هذا الشعور لا تزيده السنوات إلا قوة ورسوخاً.
واستحضار هذا المعنى في افتتاح ولاية تشريعية جديدة يمنح الخطاب بعداً يتجاوز التعبير الوجداني عن الانتماء الوطني، ليؤسس لرابط بين الهوية والمسؤولية، وبين الاعتزاز بالماضي والاستعداد لمواجهة رهانات المستقبل.
فالملك يربط هذا الاعتزاز بعمق تاريخ المغرب، وبعراقة الأمة المغربية، واستمرار المؤسسة الملكية عبر التاريخ، باعتبارها إحدى ركائز الدولة المغربية. كما يؤكد حق المغاربة في الاعتزاز بهويتهم الدينية الأصيلة في ظل إمارة المؤمنين، وبالهوية الحضارية المتميزة للمملكة، القائمة على تعدد مكوناتها الثقافية والحضارية.
ويحضر هذا البعد الهوياتي في سياق تتزايد فيه أهمية عناصر الاستقرار والانسجام الوطني، خصوصاً في ظل التحولات الإقليمية والدولية، حيث لم تعد الهوية مجرد مرجعية رمزية، بل أصبحت أيضاً أحد عناصر التماسك الداخلي والقدرة على مواجهة الضغوط الخارجية.
لكن الدلالة الأهم في هذا المحور تتمثل في انتقال الخطاب من الاعتزاز بالهوية إلى استحضار المكتسبات السياسية والدبلوماسية والإنجازات التنموية والاقتصادية والاجتماعية التي غيّرت وجه المغرب. فهذه المكتسبات تُقدَّم باعتبارها حصيلة مسار وطني، وليس مجرد أسباب للاكتفاء بما تحقق.
ويضع الخطاب بذلك فاصلاً واضحاً بين الاعتزاز المشروع بالوطن وبين الرضا عن النفس أو التباهي بالإنجازات. فالانتماء، وفق المنطق الذي يقدمه، لا ينبغي أن يتحول إلى شعور بالاستحقاق المجاني، وإنما إلى حافز للعمل، والثقة إلى واجب وطني، والاعتراف بالمكتسبات إلى التزام بالمحافظة عليها وتطويرها.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة هذا المحور باعتباره دعوة إلى جعل الوطنية ممارسة يومية تقاس بمستوى المسؤولية والنزاهة والإنتاجية، وبمدى إسهام المؤسسات والفاعلين السياسيين والاقتصاديين في خدمة الصالح العام.
ثالثاً: جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى لمواجهة التحولات الجيو-اقتصادية
انتقل الخطاب إلى السياق العالمي، الذي يتسم بتسارع التحولات الجيو-اقتصادية، ليؤكد أن المغرب انخرط، وفق رؤية واضحة، في دينامية جديدة من الإصلاحات والمشاريع الكبرى.
غير أن الرسالة لا تقف عند حدود مواصلة المشاريع المبرمجة في مجال البنيات التحتية، بل تتجاوزها إلى الدعوة لإطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، يشمل الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي.
ويكشف هذا التوجه عن اتساع مفهوم التنمية في التصور الاستراتيجي للمملكة. فالبنيات التحتية تظل ضرورية لربط المناطق وتسهيل الاستثمار والتجارة، لكنها لم تعد وحدها كافية لضمان التنافسية الاقتصادية أو تحصين الاقتصاد الوطني من الاضطرابات الخارجية.
لقد أظهرت التحولات الدولية أن الدول التي تعتمد بشكل مفرط على الخارج في تأمين احتياجاتها الأساسية تظل أكثر عرضة لتقلبات الأسواق، واضطرابات سلاسل التوريد، وتداعيات الأزمات الجيوسياسية. ومن ثم، فإن الدعوة إلى إطلاق استراتيجيات جديدة في مجالات الماء والطاقة والغذاء تحمل دلالة تتصل بتعزيز السيادة الاقتصادية والقدرة على الصمود أمام الأزمات.
ويكتسي الأمن المائي أهمية خاصة في ظل التحديات المناخية وتزايد الضغط على الموارد المائية، فيما يرتبط الأمن الطاقي بضرورة ضمان إمدادات مستقرة وقادرة على مواكبة حاجيات الاقتصاد والمجتمع. أما الأمن الغذائي، فيتصل بقدرة المملكة على تأمين المواد الأساسية وتعزيز استقرار التموين، مع تطوير الإنتاج الوطني كلما كان ذلك ممكناً وفعالاً اقتصادياً.
وفي المجال الصناعي، تعكس الدعوة إلى الإقلاع الصناعي الحاجة إلى تقوية النسيج الإنتاجي الوطني، وتوسيع القيمة المضافة المحلية، وتقليص التبعية للاستيراد في القطاعات الاستراتيجية. كما أن إدراج الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي ضمن أولويات المرحلة المقبلة يشير إلى إدراك أهمية التحولات التكنولوجية في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، وتأثيرها المتزايد في الإنتاجية والتشغيل والتنافسية.
غير أن الانتقال من إعلان هذه الأولويات إلى تحقيقها يقتضي سياسات متكاملة، واستثمارات موجهة، وكفاءات بشرية مؤهلة، وإطاراً مؤسساتياً قادراً على التنسيق بين القطاعات. فالتحدي ليس في تعدد الاستراتيجيات، وإنما في ضمان تكاملها وتحديد أهدافها ومؤشرات قياس نتائجها، حتى لا تتحول إلى برامج متوازية تستهلك الموارد دون أن تحقق الأثر المنتظر.
رابعاً: الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين المواد الأساسية.. السيادة الاقصادية في صلب المرحلة المقبلة
شدد الملك مجدداً على ضرورة التعجيل بتطوير قدرات المملكة في مجال الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية، وهو توجيه يندرج ضمن الرؤية الأوسع لتعزيز الأمن الاقتصادي الوطني.
وتتجاوز أهمية هذا الموضوع مسألة التخزين أو توفير مخزونات احتياطية، إذ يتعلق ببناء منظومة متكاملة قادرة على توقع المخاطر والتعامل معها، وضمان استمرار التموين في الظروف الاستثنائية، وحماية الأسواق الداخلية من الانقطاعات الحادة في الإمدادات.
وتتطلب هذه المنظومة تحديد المواد التي تكتسي طابعاً استراتيجياً، وتقييم مستوى الاعتماد على الاستيراد، وتطوير قدرات التخزين والتوزيع، وتنويع مصادر التوريد، مع تعزيز الإنتاج المحلي في المجالات التي تتوفر فيها المملكة على إمكانات تنافسية.
كما يطرح هذا التوجه سؤال الحكامة، لأن فعالية الاحتياطات الاستراتيجية لا ترتبط بحجم المخزون وحده، بل أيضاً بآليات تدبيره، وشفافية المعطيات المتعلقة به، والقدرة على تعبئته في الوقت المناسب، ومنع الاختلالات التي قد تؤثر على استقرار الأسواق.
ومن شأن إعطاء الأولوية لهذا الملف أن يعزز قدرة المغرب على التعامل مع الأزمات الدولية، غير أن ذلك يستدعي التنسيق بين مختلف القطاعات الحكومية والفاعلين الاقتصاديين، ووضع خطط واضحة لتدبير المخاطر، بدل الاكتفاء بالتدخل بعد وقوع الأزمات.
خامساً: القطاع الخاص مطالب بالانتقال من موقع المستفيد إلى الفاعل الاستراتيجي
في محور متصل بمستقبل النموذج الاقتصادي، دعا الملك القطاع الخاص الوطني إلى الارتقاء إلى مستوى فاعل استراتيجي في التحول التنموي، وأن يكون أكثر مبادرة وابتكاراً، وأكثر قدرة على خلق فرص الشغل والاستثمار والتصدير.
وتعكس هذه الدعوة توجهاً نحو إعادة التأكيد على الدور الذي ينبغي أن يضطلع به القطاع الخاص في بناء اقتصاد منتج، قادر على خلق الثروة وتوسيع قاعدة التشغيل وتعزيز تنافسية المقاولات المغربية.
فالاستثمار الخاص لا تقتصر أهميته على ضخ الأموال في المشاريع، بل يمتد إلى تطوير التقنيات، ورفع الإنتاجية، وفتح أسواق جديدة، وإحداث مناصب الشغل، ونقل الخبرات، وإدماج المقاولات الوطنية في سلاسل الإنتاج والتصدير.
لكن الارتقاء بالقطاع الخاص إلى فاعل استراتيجي يقتضي أيضاً توفير بيئة أعمال واضحة ومستقرة، وتبسيط المساطر الإدارية، وتعزيز المنافسة، وتحسين الولوج إلى التمويل، وتطوير الكفاءات، وتوسيع فرص المقاولات الصغيرة والمتوسطة في المشاركة في الدينامية الاقتصادية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية لأن خلق فرص الشغل يظل من أبرز التحديات التي تواجه السياسات العمومية، خصوصاً في صفوف الشباب. ومن ثم، فإن الرهان لا يتعلق فقط بحجم الاستثمارات المنجزة، وإنما بطبيعتها، وبقدرتها على إنتاج فرص عمل مستدامة، وعلى نقل الاقتصاد من أنشطة محدودة القيمة المضافة إلى قطاعات أكثر إنتاجية وابتكاراً.
كما أن الدعوة إلى تعزيز التصدير تطرح ضرورة مواصلة تحسين جودة المنتجات المغربية، وتنويع الأسواق، وتطوير القدرات اللوجستية والصناعية، حتى يصبح حضور المقاولات الوطنية في الأسواق الخارجية رافعة لتوسيع الإنتاج وخلق فرص العمل.
وفي المحصلة، فإن الرسالة الموجهة إلى القطاع الخاص تقوم على مبدأ واضح: التنمية ليست مسؤولية الدولة وحدها، كما أن الاستفادة من الحوافز والفرص الاستثمارية ينبغي أن تقابلها مساهمة ملموسة في الإنتاج والتشغيل والابتكار.
سادساً: الشباب في صدارة السياسات العمومية.. اختبار الثقة في المؤسسات والمستقبل
خصص الخطاب حيزاً مهماً لقضايا الشباب، داعياً إلى وضعها في صدارة السياسات العمومية واهتمامات هيئات الحكامة، من خلال بلورة تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.
ويكشف هذا التوجيه عن إدراك أن تحديات الشباب لا يمكن معالجتها بإجراءات متفرقة أو برامج ظرفية، بل تحتاج إلى رؤية شاملة تربط المدرسة والتكوين بسوق الشغل، وتضمن الانتقال من اكتساب المعرفة إلى امتلاك المهارات المطلوبة في الاقتصاد.
فالتعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي ليست ملفات منفصلة، وإنما حلقات مترابطة في مسار بناء الاستقلالية الاجتماعية للشباب. وأي خلل في هذه السلسلة قد يؤدي إلى تعميق الفجوة بين المؤهلات الدراسية وفرص العمل المتاحة، أو إلى إضعاف الثقة في جدوى التكوين وفي قدرة المؤسسات على توفير آفاق واقعية للارتقاء الاجتماعي.
وتزداد أهمية هذا المحور مع التحولات التي يعرفها سوق الشغل، في ظل التوسع الرقمي وتغير حاجيات المقاولات وتزايد أهمية المهارات التقنية واللغوية والمهنية. وهو ما يجعل تطوير التكوين المهني، وربطه بالقطاعات الإنتاجية، وتوسيع فرص التدريب والتشغيل، عناصر أساسية في أي سياسة موجهة إلى الشباب.
غير أن الخطاب لا يحصر القضية في بعدها الاقتصادي، بل يربطها أيضاً بالثقة في المؤسسات الوطنية، وفي الفرص التي يوفرها الوطن لبناء مستقبل أفضل في ظل الحرية والكرامة والاستقرار.
وهنا تتجلى الأهمية السياسية والاجتماعية لهذا التوجه؛ فالثقة لا تُبنى بالخطاب وحده، وإنما تتشكل من خلال التجربة اليومية للمواطن، ومدى قدرته على الوصول إلى تعليم جيد، وخدمات عمومية مناسبة، وفرصة عمل تحفظ كرامته، ومسار اجتماعي يسمح له بالتقدم بناء على كفاءته ومجهوده.
لذلك، فإن وضع الشباب في صدارة الأولويات ينبغي أن يترجم إلى برامج قابلة للتقييم، تتجاوز منطق الإعلان عن المبادرات إلى قياس أثرها الفعلي على التشغيل، وتحسين المؤهلات، وتكافؤ الفرص بين المجالات والفئات الاجتماعية.
كما أن نجاح هذا التوجه يتطلب من الحكومة المقبلة تنسيقاً فعالاً بين القطاعات المعنية، حتى لا تبقى برامج الشباب موزعة بين مؤسسات متعددة دون رؤية موحدة أو مسؤولية واضحة عن النتائج.
سابعاً: التنمية الترابية والجهوية المتقدمة.. نهاية التسامح مع التأخير الإداري
إذا كانت المحاور الاقتصادية والاجتماعية قد رسمت ملامح الأولويات الاستراتيجية، فإن الجزء المتعلق بالتنمية الترابية حمل من أكثر الرسائل وضوحاً بشأن ضرورة تغيير أساليب تدبير الشأن العام.
فقد أكد الملك أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة يتمثل في العمل الميداني على المستوى الترابي، والوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة، ثم البحث عن حلول واقعية لها.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة لأنها تنقل مركز الاهتمام من التخطيط العام إلى التنفيذ الميداني، ومن المقاربات الموحدة إلى مراعاة الخصوصيات المحلية، ومن قياس نجاح البرامج بحجم الاعتمادات المالية المرصودة إلى تقييمها بناء على النتائج التي تحققها داخل المناطق المستهدفة.
فالمغرب، رغم ما عرفه من توسع في البنيات التحتية وإطلاق مشاريع تنموية متعددة، لا يزال مطالباً بتعزيز التقارب في مستوى الخدمات والفرص بين الجهات والأقاليم والجماعات. وتفرض هذه الحقيقة أن تكون السياسات العمومية أكثر ارتباطاً بالاحتياجات الفعلية للمواطنين، وأن تتمتع المؤسسات الترابية بالصلاحيات والموارد التي تسمح لها بالاستجابة السريعة للمشكلات المحلية.
وفي هذا السياق، ربط الخطاب النهوض بالتنمية المندمجة، وتحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، بتقدم مسار الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري.
وهذا الربط ليس تفصيلاً تقنياً، بل يعكس علاقة مباشرة بين طريقة تنظيم الدولة ونجاعة السياسات التنموية. فكلما بقيت القرارات الأساسية والموارد الضرورية متمركزة في الإدارة المركزية، ازدادت صعوبة الاستجابة للحاجيات المحلية، وطالت المساطر، وضعفت قدرة المؤسسات الترابية على تنفيذ المشاريع في الوقت المناسب.
ومن هنا جاءت لهجة الخطاب الحازمة في ما يتعلق بالتأخير والاختلالات التي لا تزال تعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز الإداري، وما ينتج عنها من آثار سلبية على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية وعلى التجاوب مع انشغالات المواطنين.
إن الرسالة الأساسية في هذا الجانب تتمثل في أن إصلاح الإدارة لم يعد مسألة داخلية تخص توزيع الاختصاصات بين المؤسسات، بل أصبح شرطاً مباشراً لتحقيق العدالة المجالية وتحسين جودة الخدمات وتوفير بيئة ملائمة للاستثمار.
ثامناً: نقل الصلاحيات والموارد.. الاختبار الحقيقي لتفعيل اللاتمركز الإداري
أكد الملك أنه لم يعد مقبولاً استمرار أي تأخير أو تماطل في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري، بما يتطلبه من نقل للصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الأقاليم والجهات.
وتحمل هذه الدعوة دلالة مؤسساتية واضحة، لأنها تضع مسألة توزيع السلطة الإدارية والموارد في قلب النقاش حول فعالية الدولة وقدرتها على تنفيذ اختياراتها التنموية.
فاللاتمركز الإداري لا يتحقق بمجرد إحداث تمثيليات جهوية أو إقليمية للقطاعات الحكومية، وإنما يقتضي تمكين المصالح الخارجية من صلاحيات فعلية تسمح لها باتخاذ القرارات اللازمة، وتوفير الموارد البشرية المؤهلة والاعتمادات المالية الضرورية لممارسة هذه الصلاحيات.
أما نقل الاختصاصات دون توفير الموارد، فيهدد بتحويل اللاتمركز إلى إجراء شكلي، تتحمل بموجبه الإدارات الترابية مسؤوليات إضافية دون أن تمتلك الوسائل الضرورية للوفاء بها.
والأمر نفسه ينطبق على المؤسسات الجهوية التي تواجه، وفق ما أشار إليه الخطاب، عراقيل تحد من قدرتها على أداء أدوارها. ولذلك دعا الملك إلى تحديد أوضح للاختصاصات، والرفع من الموارد البشرية والمادية المتاحة لهذه المؤسسات.
ويكشف هذا التوجيه عن ضرورة معالجة التداخل بين الاختصاصات، وتوضيح حدود المسؤولية بين الدولة والجهات، وتفادي تضارب القرارات أو تعطيل المشاريع بسبب تعدد المتدخلين وعدم وضوح من يتحمل مسؤولية التنفيذ.
كما أن وضع آليات للتنسيق والتعاقد بين الدولة والجهات من شأنه أن يساهم في الانتقال من علاقة إدارية يغلب عليها انتظار التعليمات المركزية إلى علاقة مؤسساتية تقوم على تحديد الأهداف، وتوزيع المسؤوليات، والالتزام بالآجال، ومتابعة النتائج.
وبذلك، يصبح تمكين الجهات من اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع أحد الشروط الأساسية لتجسيد الجهوية المتقدمة، وليس مجرد استكمال تنظيمي للإصلاح الإداري.
لكن نجاح هذا الورش يظل رهيناً بوجود إرادة تنفيذية واضحة، وجدولة زمنية قابلة للتتبع، ومحاسبة للمسؤولين عن التأخير، حتى لا يستمر التباعد بين الأهداف المعلنة والواقع الإداري الذي يواجهه المواطن والمستثمر.
تاسعاً: الشراكة مع إسبانيا والهجرة.. دعوة إلى مراجعة نموذج التعاون
في الشق المتعلق بالسياسة الخارجية، استحضر الملك المكانة التي رسخها المغرب على الصعيد الدولي باعتباره شريكاً مسؤولاً وموثوقاً، يحرص على تنفيذ التزاماته، وينتظر من شركائه التعامل بالمثل.
ومن هذه الأرضية، انتقل الخطاب إلى تقييم التعاون في مجال الهجرة، مؤكداً أن المقاربة المتوازنة التي اعتمدتها المملكة أفضت إلى نتائج ملموسة، لكنه شدد، في المقابل، على أن نموذج التعاون الحالي أصبح متجاوزاً، وأن الأزمات المتكررة دليل على الحاجة إلى مراجعته.
وتكمن أهمية هذا التوصيف في أنه لا ينفي ما تحقق من تعاون، ولا يتعامل مع الشراكات القائمة باعتبارها ثابتة لا تقبل التغيير، بل يطرح ضرورة إعادة تقييم آلياتها ومدى قدرتها على الاستجابة للتحولات التي يعرفها ملف الهجرة.
فالهجرة أصبحت قضية متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والقانونية والإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، ولا يمكن اختزالها في عمليات مراقبة الحدود أو الحد من تدفقات المهاجرين. كما أن استدامة التعاون تقتضي توزيع المسؤوليات بصورة متوازنة، وتوفير الإمكانات الضرورية لمعالجة أسباب الهجرة، وتطوير مسارات قانونية، ومواجهة الشبكات الإجرامية التي تستغل هشاشة المهاجرين.
وفي هذا الإطار، خص الخطاب الشراكة مع إسبانيا بإشارة مباشرة، مبرزاً التطورات المهمة التي عرفتها العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، بما في ذلك محاربة الهجرة غير الشرعية.
غير أن الملك أشار إلى التحديات التي تواجه هذا التعاون، في ظل بعض المقتضيات القانونية التي وصفها بالمتجاوزة، وقرارات قضائية اعتبر أنها بعيدة عن الواقع، ولا سيما ما يتصل بترحيل القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة طالبي اللجوء، وفق ما ورد في الخطاب.
وتعكس هذه الإشارة رغبة في إعادة طرح ملف الهجرة ضمن النقاش الأوسع حول التزامات الشركاء، وحدود التعاون، ومدى ملاءمة الأطر القانونية المعمول بها للتحديات الميدانية.
لكن هذا الملف يظل محكوماً أيضاً بالقوانين الوطنية والالتزامات الدولية ذات الصلة بحماية حقوق الإنسان والطفل والحق في طلب اللجوء، وهي اعتبارات تقتضي أن تتم أي مراجعة للتعاون في إطار قانوني واضح، يميز بين الهجرة غير النظامية، وتهريب البشر، وطلبات الحماية الدولية التي يتعين تقييمها وفق الإجراءات المعمول بها.
ومن هنا، فإن تطوير الشراكة لا يرتبط فقط بتشديد الإجراءات أو تسريع عمليات الإعادة، بل كذلك بمدى القدرة على إيجاد حلول قانونية وعملية ومستدامة، تحد من استغلال المهاجرين، وتحفظ الحقوق، وتعزز الثقة بين المؤسسات المعنية على جانبي الحدود.
عاشراً: رفض الضغط والابتزاز.. الشراكة باعتبارها اختياراً سيادياً
لم يقتصر الخطاب على تقييم الجوانب التقنية للتعاون في مجال الهجرة، بل انتقل إلى البعد السياسي، من خلال رفض التصريحات التي وصفها باللامسؤولة، والاستغلال الذي اعتبره مفضوحاً من بعض الأوساط السياسية والإعلامية.
وفي هذا السياق، أكد الملك أن الشراكة اختيار سيادي والتزام إرادي، وأنها لن تكون محل ضغط أو تهديد أو ابتزاز.
وتحمل هذه الرسالة دلالة تتجاوز ملف الهجرة، لأنها تعيد التأكيد على مبدأ أساسي في تدبير العلاقات الخارجية للمملكة: الانخراط في التعاون الدولي لا يعني التخلي عن حرية القرار الوطني، كما أن الالتزامات المتبادلة ينبغي أن تقوم على الاحترام والمصالح المشتركة، لا على فرض الأمر الواقع أو توظيف الملفات الحساسة في التجاذبات السياسية الداخلية.
ويكتسي هذا الموقف أهمية خاصة في العلاقات المغربية الإسبانية، بالنظر إلى تشابك المصالح الاقتصادية والتجارية والأمنية بين البلدين، وارتباط استقرار التعاون الثنائي بقضايا تتجاوز الهجرة لتشمل الاستثمار والتبادل التجاري والأمن الإقليمي والتنمية.
غير أن الرسالة لا تعني، في حد ذاتها، القطيعة مع الشركاء أو التخلي عن التعاون، بل تضعه ضمن إطار مختلف، قوامه وضوح الالتزامات واحترام السيادة والبحث عن مصالح متبادلة قابلة للاستمرار.
فالعلاقات الاستراتيجية لا تقاس فقط بعدد الاتفاقيات الموقعة أو حجم التنسيق الأمني، بل كذلك بقدرة الأطراف على إدارة الخلافات، وتجنب تحويلها إلى أزمات متكررة، وإيجاد آليات مؤسساتية لمعالجة المشكلات قبل أن تتحول إلى موضوع للاستغلال السياسي والإعلامي.
ومن هذه الزاوية، يفتح الخطاب الباب أمام مرحلة من المراجعة والتقييم، يكون الهدف منها إعادة تنظيم التعاون على أسس أكثر وضوحاً وتوازناً، بعيداً عن ردود الفعل الظرفية.
حادي عشر: وثيقة استراتيجية جديدة.. من تدبير الأزمات إلى بناء التنمية المشتركة
أعلن الخطاب أن المغرب سيقدم لشركائه وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية، تؤسس لتوجه جديد يعزز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
وتشكل هذه الإشارة امتداداً منطقياً للدعوة إلى مراجعة نموذج التعاون في مجال الهجرة، لكنها تحمل أيضاً أبعاداً أوسع تتصل بمستقبل الشراكات التي تربط المملكة بمحيطها الأوروبي والإقليمي.
فبدلاً من الاقتصار على تدبير الأزمات المتكررة، يبرز التوجه نحو وضع إطار استراتيجي يحدد الأولويات المشتركة، ويربط التعاون الأمني والاقتصادي بمشاريع تنموية أكثر استدامة، ويجعل المصالح المتبادلة أساساً لتطوير العلاقات.
ويكتسب التركيز على التنمية المشتركة أهمية خاصة، لأن معالجة بعض التحديات الإقليمية لا يمكن أن تتم بالوسائل الأمنية وحدها. فالتنمية وخلق فرص الشغل وتعزيز الاستثمار والتبادل الاقتصادي يمكن أن تشكل عناصر مساعدة على الاستقرار، وإن كانت لا تغني عن المعالجة القانونية والمؤسساتية لكل ملف على حدة.
أما التنافسية الاقتصادية، فتفتح المجال أمام توسيع الشراكات الإنتاجية، وتطوير سلاسل القيمة، وتشجيع الاستثمار المتبادل، وتحويل القرب الجغرافي إلى فرصة اقتصادية ذات مردودية للطرفين.
ويحمل إدراج الاستقرار الإقليمي ضمن هذه الرؤية تأكيداً على أن المغرب ينظر إلى علاقاته الخارجية باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع لحماية مصالحه وتعزيز موقعه الدولي.
ومع ذلك، فإن الأثر الحقيقي لهذه الوثيقة سيظل مرتبطاً بمضمونها العملي، ومدى وضوح أهدافها، واستعداد الشركاء للتفاعل معها، وقدرتها على الانتقال من المبادئ العامة إلى برامج محددة وآليات تنفيذ ومتابعة.
فإعادة صياغة الشراكات لا تتحقق بمجرد الإعلان عن رؤية جديدة، بل تتطلب تفاوضاً مؤسساتياً، وتحديداً للمصالح المشتركة، وتوزيعاً واضحاً للمسؤوليات، وآليات لتسوية الخلافات، حتى يصبح التعاون أقل عرضة للأزمات وأكثر قدرة على تحقيق نتائج مستدامة.
ثاني عشر: المسؤولية البرلمانية.. الثقة الانتخابية تعاقد أخلاقي وليست امتيازاً سياسياً
اختتم الملك خطابه بالتذكير بأن الانتداب البرلماني يمثل التزاماً سياسياً وتعاقداً أخلاقياً يربط أعضاء البرلمان بالمواطنين، داعياً إياهم إلى أن يكونوا في مستوى المسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقهم أمام الله والمواطنين والتاريخ.
ويكتسب هذا الختام أهمية خاصة لأنه يعيد النقاش إلى جوهر العملية الديمقراطية، أي العلاقة بين التمثيل السياسي والمساءلة، وبين الثقة التي يمنحها الناخبون والواجبات التي تترتب عنها.
فالانتداب البرلماني ليس مجرد موقع داخل المؤسسة التشريعية، ولا تفويضاً مفتوحاً للتصرف بمعزل عن انتظارات المواطنين، بل مسؤولية تقتضي الدفاع عن المصالح العامة، ومراقبة العمل الحكومي، والمساهمة في التشريع، والتفاعل مع المطالب الاجتماعية والاقتصادية التي تعبر عنها الفئات المختلفة.
كما أن استحضار البعد الأخلاقي لهذا الانتداب يضع سلوك المنتخبين ومصداقيتهم في صلب تقييم العمل السياسي. فالثقة الانتخابية لا تستنفد أغراضها بمجرد إعلان النتائج، وإنما تستمر طوال الولاية التشريعية، وتظل مرتبطة بمدى وفاء المنتخبين بالتزاماتهم، ووضوح مواقفهم، وقدرتهم على تحمل مسؤولياتهم.
وتزداد أهمية هذه الرسالة في المرحلة الراهنة، حيث لم تتشكل الحكومة الجديدة بعد، بينما تستعد المؤسسة التشريعية للاضطلاع بأدوارها في مواكبة المرحلة المقبلة. وهو ما يجعل مسؤولية النواب مزدوجة: المساهمة في بناء المؤسسات التنفيذية على أسس سياسية واضحة، ثم ممارسة أدوار التشريع والمراقبة والمساءلة بما يضمن احترام المصلحة العامة.
ومن ثم، فإن التحدي لا يقتصر على تشكيل أغلبية برلمانية منسجمة، بل يشمل كذلك ضمان فعالية البرلمان في متابعة تنفيذ السياسات العمومية، والتفاعل مع القضايا التي تشغل المواطنين، وربط المسؤولية بالنتائج.
واستشهاد الملك بالآية القرآنية «من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها» جاء في ختام هذا التذكير بالمسؤولية، بما يمنح الخطاب خاتمة ذات بعد أخلاقي وديني، تدعو إلى استحضار قيمة العمل الصالح وما يترتب عنه من مسؤولية وجزاء.
الخلاصة: خطاب يحدد الأولويات ويضع الحكومة المقبلة أمام امتحان التنفيذ
يقدم الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية الجديدة تصوراً متكاملاً لأولويات المرحلة المقبلة، يقوم على مواصلة المشاريع الكبرى، وإطلاق استراتيجيات جديدة في القطاعات الاستراتيجية، وتعزيز الأمن المائي والطاقي والغذائي، وتقوية دور القطاع الخاص في الاستثمار والتشغيل والتصدير، ووضع الشباب في قلب السياسات العمومية.
وفي الوقت نفسه، يعيد الخطاب الاعتبار للتنمية الترابية باعتبارها الاختبار الميداني لنجاعة الدولة، ويربط تحسين الخدمات العمومية وتوزيع فرص التنمية بإنهاء الاختلالات التي تعرقل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري. كما يفتح الباب أمام مراجعة نموذج التعاون في مجال الهجرة، وإعادة صياغة الشراكات على أساس احترام السيادة والمصالح المتبادلة والتنمية المشتركة.
لكن الأهمية السياسية لهذه التوجيهات لا تكمن فقط في اتساع الملفات التي تشملها، بل في طبيعة التحدي الذي تضعه أمام الحكومة المقبلة والبرلمان: كيف يمكن تحويل الأولويات الاستراتيجية إلى برامج متكاملة، وتحديد المسؤوليات والآجال، وقياس النتائج، وضمان انعكاسها على حياة المواطنين؟
فالحكومة التي لم تتشكل بعد ستجد نفسها أمام جدول أعمال يتطلب تنسيقاً بين قطاعات متعددة، وقدرة على المفاضلة بين الأولويات، وتعبئة الموارد المالية والبشرية، مع ضمان الانسجام بين متطلبات النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية.
أما البرلمان، فسيكون مطالباً بألا يكتفي بمواكبة هذا المسار من خلال النقاشات العامة، بل بتعزيز أدواره التشريعية والرقابية، وتتبع تنفيذ الالتزامات المعلنة، ومساءلة المسؤولين عن مواطن التأخر والاختلال.
وفي النهاية، يمكن القول إن الخطاب يضع معياراً واضحاً لتقييم المرحلة المقبلة: الانتقال من إعلان الطموحات إلى تحقيق النتائج، ومن تعدد البرامج إلى تكامل السياسات، ومن مركزية القرار إلى فعالية المؤسسات الترابية، ومن الثقة في المكتسبات إلى تحمل المسؤولية عن المستقبل.
وإذا كانت الولاية التشريعية الجديدة تفتتح في ظرفية حافلة بالفرص والتحديات، فإن نجاحها لن يتحدد فقط بقدرة الفاعلين السياسيين على تشكيل المؤسسات وضمان استمراريتها، بل بمدى قدرتهم على جعل هذه المؤسسات أداة فعلية لتحقيق التنمية والعدالة والكرامة، وتعزيز ثقة المواطنين في الدولة وفي المستقبل.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك