زلزال سياسي قبيل انتخابات 2026 وملايين المغاربة يديرون ظهورهم لصناديق الاقتراع والأحزاب تغرق في أزمة ثقة غير مسبوقة

زلزال سياسي قبيل انتخابات 2026 وملايين المغاربة يديرون ظهورهم لصناديق الاقتراع والأحزاب تغرق في أزمة ثقة غير مسبوقة
ديكريبتاج / الأحد 14 يونيو 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

قبل أشهر قليلة، من الانتخابات التشريعية المرتقبة سنة 2026، دقت دراسة ميدانية وطنية ناقوس الخطر بشأن مستقبل المشاركة السياسية بالمغرب، بعدما كشفت معطيات صادمة عن اتساع دائرة العزوف الانتخابي وتفاقم أزمة الثقة بين المواطنين والأحزاب والمؤسسات السياسية.

فالأرقام الجديدة ترسم ملامح مشهد انتخابي متوتر، عنوانه الأبرز فقدان الثقة في الفاعلين السياسيين أكثر من رفض الديمقراطية نفسها.

الدراسة التي أنجزتها جمعية "المواطنون" عبر مختلف جهات المملكة، وشملت ما يقارب ثلاثة آلاف مواطن ومواطنة، أظهرت أن أكثر من أربعة من كل عشرة ناخبين مؤهلين للتصويت في انتخابات 2021 اختاروا المقاطعة بإرادتهم، في مؤشر قوي على اتساع الهوة بين الشارع والمؤسسات المنتخبة.

وفي المقابل، لا يزال أغلب المستجوبين يعتبرون التصويت واجباً وطنياً ومواطنياً أساسياً، ما يكشف عن تناقض واضح بين الإيمان بأهمية المشاركة الديمقراطية وفقدان الثقة في جدوى العملية الانتخابية ونتائجها.

المعطيات الميدانية أظهرت أن نسبة محدودة فقط من المشاركين ترى أن نتائج الانتخابات الأخيرة كانت ذات مصداقية، بينما عبرت الأغلبية عن تشكيك عميق في نزاهة الأداء السياسي وفي قدرة الانتخابات على إحداث تغيير حقيقي في حياتهم اليومية.

وترى الدراسة أن ما يوصف عادة بالعزوف الانتخابي لا يعكس رفضاً للديمقراطية، بل يمثل احتجاجاً صامتاً على طريقة تدبير الشأن السياسي وعلى ضعف الاستجابة لتطلعات المواطنين.

وكشفت النتائج عن ثلاث فجوات كبرى تهدد المشاركة السياسية مستقبلاً. أولى هذه الفجوات تتمثل في التناقض بين الوعي المدني والانخراط الانتخابي، إذ رغم اهتمام عدد كبير من المواطنين بالشأن العام ومتابعتهم للقضايا السياسية، فإن ذلك لا يتحول بالضرورة إلى مشاركة فعلية داخل مكاتب التصويت.

أما الفجوة الثانية فتتعلق بالشباب، الذين أبانوا عن استعداد أكبر للمشاركة في انتخابات 2026 مقارنة بالفئات العمرية الأكبر، رغم أنهم الأكثر انتقاداً للأحزاب والمؤسسات السياسية. وتؤكد هذه المفارقة أن الأجيال الجديدة لا تزال تبحث عن فضاءات حقيقية للتغيير، لكنها ترفض الأشكال التقليدية للممارسة السياسية.

أما الفجوة الثالثة فتخص النساء، اللواتي عبرن عن رغبة أكبر في المشاركة الانتخابية مقارنة بالرجال، غير أنهن ما زلن يواجهن عراقيل إدارية وإجرائية تحول دون تحويل هذه الرغبة إلى مشاركة فعلية، وهو ما يطرح أسئلة حول مدى قدرة المنظومة الانتخابية على ضمان تكافؤ الفرص بين جميع الفئات.

الصورة تصبح أكثر قتامة عند الحديث عن مستويات الثقة. فغالبية المشاركين منحت تقييماً سلبياً للغاية لمصداقية النتائج الانتخابية، كما سجلت المؤسسات العمومية بدورها نسب ثقة متدنية بشكل لافت.

والأخطر أن هذه الآراء صدرت عن فئة من المواطنين تتميز بمستوى تعليمي مرتفع وانخراط نسبي في الشأن العام، ما يجعل مؤشرات فقدان الثقة أكثر إثارة للقلق.

وفي ما يتعلق بالأحزاب السياسية، جاءت النتائج قاسية وصادمة. فالغالبية الساحقة من المستجوبين أكدت أنها لا تربطها أي علاقة أو تواصل مع الأحزاب، فيما اعتبر معظم المشاركين أن التنظيمات السياسية لا تنصت لمشاكل المواطنين ولا تلتزم بالوعود التي تقدمها خلال الحملات الانتخابية.

كما سجل التواصل الحزبي واحداً من أسوأ التقييمات، ما يعكس فشل الأحزاب في الحفاظ على صلة مباشرة مع المجتمع.

وفي ظل هذا الفراغ، فرضت شبكات التواصل الاجتماعي نفسها كمصدر أول للمعلومة السياسية، متجاوزة بفارق كبير الصحافة والتلفزيون والإذاعة، في تحول يعكس إعادة تشكيل كاملة لطرق صناعة الرأي العام والتأثير في المزاج السياسي للمغاربة.

وعلى مستوى الاستعداد لانتخابات 2026، أظهرت الدراسة أن نسبة مهمة من المواطنين لا تزال مترددة أو غير مقتنعة بالمشاركة، بينما يبقى انعدام الثقة في الأحزاب والاعتقاد بعدم جدوى التصويت من أبرز أسباب العزوف.

كما اعتبر عدد كبير من غير المسجلين في اللوائح الانتخابية أن ضعف الثقة هو السبب الرئيسي وراء ابتعادهم عن العملية الانتخابية.

ورغم هذا الوضع المقلق، فإن الدراسة رصدت مؤشرات يمكن أن تفتح الباب أمام استعادة جزء من الثقة المفقودة، من خلال ضمان نزاهة الانتخابات، وتقديم برامج سياسية واضحة وقابلة للتنفيذ، وإفساح المجال أمام الشباب، وتعزيز الشفافية في تمويل الأحزاب، وتوفير معلومات انتخابية أكثر وضوحاً للمواطنين.

غير أن وجود شريحة معتبرة تؤكد أن أي إجراء لن يكون كافياً لإقناعها بالمشاركة يكشف عن وجود كتلة صلبة من العازفين يصعب استرجاعها بالوسائل التقليدية.

وفي خضم هذه المؤشرات المتراكمة، تبدو انتخابات 2026 أمام اختبار حاسم قد يحدد مستقبل العلاقة بين المغاربة والمؤسسات السياسية.

فالمشكلة لم تعد مرتبطة برفض الديمقراطية أو العزوف عن الشأن العام، بل بأزمة ثقة عميقة تضرب صميم العمل الحزبي والتمثيلي، وتضع الطبقة السياسية أمام تحدٍ غير مسبوق لإقناع المواطنين بأن أصواتهم لا تزال قادرة على صناعة الفرق والتأثير في مسار البلاد.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك