أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
في تصعيد جديد يعكس حساسية التوازنات الصحية والتجارية بين ضفتي المتوسط، وجدت سوق الأبقار الإسبانية نفسها أمام انكماش حاد وغير مسبوق بعد توقف شبه كامل لصادراتها نحو المغرب خلال سنة 2026، ما دفع الفاعلين المهنيين في إسبانيا إلى إطلاق نداء عاجل باتجاه مدريد للتحرك دبلوماسيًا نحو الرباط من أجل إعادة فتح هذا المسار التجاري الحيوي.
وفي هذا السياق، طالبت منظمة الاتحاد الإسباني لصغار الفلاحين ومربي الماشية UPA الحكومة الإسبانية بالتدخل الفوري لدى السلطات المغربية من أجل رفع الحظر المفروض على صادرات الأبقار الحية، معتبرة أن استمرار هذا القرار أحدث شللًا شبه تام في واحدة من أهم قنوات التصدير نحو الجنوب.
وتشير معطيات مهنية إلى أن المغرب كان يشكل الوجهة الأساسية للأبقار الإسبانية خلال السنوات الأخيرة، قبل أن تنقلب المعادلة بشكل حاد ابتداءً من 2026، حين توقفت الصادرات بشكل كامل بعد قرار مغربي مرتبط بإجراءات صحية احترازية عقب تسجيل حالات من مرض التهاب الجلد العقدي المعدي للأبقار (DNC) في شمال شرق إسبانيا.
الأرقام التي استندت إليها المنظمة تكشف حجم الاعتماد الكبير على السوق المغربية، إذ صدّرت إسبانيا أكثر من 61 ألف رأس من الأبقار نحو المغرب سنة 2024، وهو ما يمثل أكثر من نصف صادراتها الإجمالية في هذا القطاع، قبل أن تتراجع الأرقام في 2025 إلى حوالي 51 ألف رأس، لتصل في 2026 إلى مستوى الصفر، في انهيار تجاري غير مسبوق.
هذا التوقف المفاجئ لم ينعكس فقط على الميزان التجاري الإسباني، بل أحدث، بحسب مهنيين، اضطرابًا داخل سوق اللحوم الحمراء، نتيجة اختلال العلاقة بين العرض والطلب، وارتفاع الضغوط على المنتجين الذين وجدوا أنفسهم أمام فائض إنتاج غير قابل للتصريف الخارجي.
وتؤكد UPA أن الوضع الحالي لم يعد يحتمل التأجيل، داعية وزارة الفلاحة الإسبانية إلى فتح قناة تفاوض مباشرة وعاجلة مع الرباط على أعلى المستويات السياسية والبيطرية، بهدف إيجاد صيغة تسمح باستئناف التصدير دون المساس بالمعايير الصحية.
وفي قلب هذه المطالب، برز مقترح اعتماد مبدأ “الجهوية الصحية”، الذي يقضي بالسماح بتصدير الأبقار من المناطق الإسبانية غير المتضررة من المرض، بدل فرض حظر شامل على كامل التراب الإسباني، وهو ما تعتبره المنظمة حلاً وسطًا يوازن بين متطلبات السلامة الصحية واستمرار التدفق التجاري.
غير أن هذا الملف يتجاوز البعد التقني للصحة الحيوانية، ليكشف هشاشة سلاسل التوريد الزراعية في العلاقات الدولية، حيث يمكن لقرار وقائي واحد أن يعيد تشكيل مسارات تجارة كاملة بين بلدين تربطهما مصالح غذائية واقتصادية متشابكة.
وبين ضغط المربين الإسبان، وتشدد الإجراءات الصحية المغربية، يبقى مستقبل هذا الملف مفتوحًا على أكثر من سيناريو، في انتظار ما إذا كان المسار الدبلوماسي سيعيد فتح هذا الشريان التجاري، أم أن قواعد جديدة أكثر صرامة ستفرض نفسها على واحد من أكثر الملفات حساسية في التجارة الزراعية بين الضفتين.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك