أنتلجنسيا:أبو جاسر
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، بدأت تتصاعد في الأوساط السياسية والإعلامية وعلى منصات التواصل الاجتماعي موجة من التسريبات والتكهنات التي تتحدث عن وجود رغبة قوية في ضبط المشهد الانتخابي والتحكم في مخرجاته، بما يضمن ولادة "حكومة المونديال" في ظروف تخلو من المفاجآت السياسية الكبرى، وهي مزاعم لم تؤكدها أي جهة رسمية، لكنها تحولت إلى مادة دسمة للنقاش والجدل داخل الساحة الوطنية.
وتتغذى هذه الروايات من معطيات يراها أصحابها مؤشراً على وجود توجه نحو إنتاج أغلبية حكومية محسوبة بدقة، خصوصاً أن الولاية المقبلة ستكون استثنائية بكل المقاييس، إذ ستتزامن مع الاستعدادات النهائية لاحتضان المغرب لكأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، وهو ما يجعل الاستقرار السياسي والمؤسساتي أحد العناوين الكبرى للمرحلة المقبلة.
ويرى متابعون أن الحديث المتزايد عن "حكومة المونديال" لم يعد مجرد توصيف إعلامي، بل أصبح عنواناً لمعركة سياسية مبكرة تدور خلف الكواليس، حيث تسعى مختلف الأحزاب إلى تحسين مواقعها استعداداً لاستحقاقات قد تكون من بين الأكثر حساسية في تاريخ المغرب الحديث. وفي المقابل، يعتقد أصحاب نظرية "التحكم" أن المرحلة لا تحتمل صعود قوى سياسية غير متوقعة أو حدوث زلازل انتخابية قد تعيد خلط الأوراق بشكل كامل.
وتذهب بعض القراءات إلى أن الرسالة غير المعلنة التي يتم الترويج لها داخل بعض الدوائر السياسية مفادها أن البلاد مقبلة على مرحلة تحتاج إلى أغلبية منسجمة وقادرة على مواكبة الأوراش الضخمة المفتوحة، من البنيات التحتية إلى الاستثمارات المرتبطة بالمونديال، مروراً بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة. ومن هنا، يربط أصحاب هذه القراءة بين رهانات كأس العالم وبين الرغبة في تجنب أي مشهد سياسي مفاجئ قد يربك الحسابات.
في المقابل، ترفض أطراف سياسية وحقوقية مثل هذه الطروحات، معتبرة أن الحديث عن انتخابات "معلبة" أو نتائج "جاهزة" يسيء إلى المؤسسات وإلى المسار الديمقراطي، ويضرب ثقة المواطنين في العملية الانتخابية قبل انطلاقها. كما تؤكد أن الضمانات القانونية والدستورية القائمة تجعل من الصعب الحديث عن سيناريوهات محسومة سلفاً دون تقديم أدلة ملموسة تدعم هذه المزاعم.
لكن اللافت أن هذه النقاشات تأتي في سياق يتسم بارتفاع منسوب العزوف السياسي لدى فئات واسعة من المواطنين، وبوجود مطالب متكررة بتوسيع هامش الثقة والانفتاح السياسي وتعزيز التنافسية الحزبية الحقيقية. لذلك فإن أي حديث عن التحكم أو توجيه النتائج يجد صدى سريعاً لدى جزء من الرأي العام الذي أصبح أكثر تشككاً في الخطابات السياسية التقليدية.
ويرى محللون أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في من سيفوز بالانتخابات أو من سيقود الحكومة المقبلة، بل في نسبة المشاركة الشعبية ومستوى الثقة في العملية الانتخابية برمتها. فكلما ارتفعت الشفافية وتعززت المنافسة الحرة، تراجعت قوة الإشاعات والتسريبات التي تتحدث عن وجود سيناريوهات معدة مسبقاً.
وبين من يعتبر أن انتخابات شتنبر 2026 ستكون محطة سياسية مفتوحة على جميع الاحتمالات، ومن يعتقد أن ملامح "حكومة المونديال" يجري رسمها بهدوء منذ الآن، يبقى المؤكد أن الأشهر المقبلة ستشهد صراعاً سياسياً وإعلامياً محتدماً، وأن الجواب الحقيقي عن كل هذه التساؤلات لن تحسمه التسريبات ولا التكهنات، بل صناديق الاقتراع ومدى قدرتها على عكس الإرادة الشعبية بصورة شفافة ومقنعة للجميع.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك