"هرمجدون" في الخطاب العسكري الأمريكي:كيف يُحوَّل الصراع مع إيران إلى قدر إلهي

"هرمجدون" في الخطاب العسكري الأمريكي:كيف يُحوَّل الصراع مع إيران إلى قدر إلهي
ديكريبتاج / الأربعاء 04 مارس 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم:محمد الغفري فاعل حقوقي/منسق الشبكة الديمقراطية المغربية للتضامن مع الشعوب

توظيف الدين في الحرب على إيران:متى تصبح «الخطة الإلهية» تبريراً للعدوان؟

يعمل الجيش الأمريكي على تعبئة جنوده للمواجهة مع إيران بخطاب ديني يصوّر الصراع على أنه تنفيذ لـ«خطة إلهية» تمهّد لمعركة «هرمجدون» وعودة المسيح.

«هرمجدون» (Armageddon) مصطلح يأتي من سفر الرؤيا في العهد الجديد، ويُستخدم في التراث الديني  المسيحي—خاصة داخل التيار الإنجيلي الصهيوني— للإشارة إلى معركة كبرى في «آخر الزمان» بين قوى الخير (غالباً ما تُمثَّل بالغرب المسيحي وإسرائيل) وقوى الشر (التي يُراد بها في هذا السياق المسلمون، وإيران على وجه الخصوص).

بعض التيارات الإنجيلية في الولايات المتحدة أعطت هذه الأسطورة بعداً سياسياً مباشراً، معتبرة أن الصراعات في الشرق الأوسط —وبخاصة أي مواجهة مع إيران— تمهيد ضروري لتحقّق النبوءات، وبالتالي لعودة المسيح. هذا التفسير لم يقتصر على الوعظ الكنسي، بل تسرّب أحياناً إلى الخطاب السياسي والعسكري لدى بعض المسؤولين والقادة الجمهوريين المتأثرين بهذا الفكر.

عندما تُصبح الحرب «نبوءة مقدسة»:مخاطر تديين الصراعات الجيوسياسية

في لحظات التصعيد الدولي، تلجأ بعض الخطابات إلى استعارة المفردات الدينية لإضفاء طابع مصيري على نزاعات استراتيجية بحتة. لكن عندما يُقدَّم الصراع مع إيران على أنه بداية «هرمجدون» كما ورد في سفر الرؤيا، فإننا لا نواجه مجرد استعارة بلاغية، بل محاولة خطيرة لتحويل قرار عسكري بشري للاختباء من تداعيات ملف ابستين إلى حتمية إلهية لا تقبل النقاش.

هذا التحول من منطق المصالح والحسابات إلى منطق «المشيئة الإلهية» يحمل تداعيات جسيمة على القانون الدولي، السلم العالمي، والوعي الجمعي.

1. من السياسة إلى العقيدة: إغلاق أبواب المساءلة.

القرارات الحربية مهما كانت مبرراتها تبقى قرارات بشرية تخضع للنقد والمحاسبة. لكن تغليفها بلغة دينية مطلقة يُخرجها من دائرة النقاش الديمقراطي، ويجعل الاعتراض عليها كأنه تمرّد على إرادة سماوية.  

ميثاق الأمم المتحدة يحظر استخدام القوة إلا في حالات دفاع عن النفس أو بتفويض من مجلس الأمن. أما استدعاء سرديات «نهاية الزمان» فيُحوّل الحرب إلى أمر محتوم، ويُضعف —بل يُفرغ من معناه— جهد الدبلوماسية والحلول السلمية.

2. نزع الإنسانية عن الخصم  

تصوير الصراع كمواجهة بين «الخير المطلق» و«الشر المطلق» يُختزل الطرف الآخر —الشعب الإيراني و شعوب محور المقاومة— إلى كيان شيطاني. هذا الخطاب ليس مبالغة بلاغية فحسب؛ إنه يُمهّد نفسياً وأخلاقياً لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، لأنه يسلب الخصم صفته الإنسانية ويحوّل الحرب إلى صدام وجودي لا يقبل التدرج أو الرحمة.

التاريخ يُظهر أن أبشع الجرائم تبدأ عادةً بلغة تُجرّد الآخر من إنسانيته.

3. إخفاء المصالح الحقيقية وراء ستار الخلاص

الحروب المعاصرة تدور حول الطاقة، ممرات الملاحة، موازين القوى، الأسواق، والتحالفات الإقليمية. توظيف الدين في الصراع يُخفي هذه الأبعاد الواقعية، ويستبدلها بسردية خلاصية عاطفية تُعبّئ الجماهير دينياً، وتُعفي صانعي القرار من تبرير الكلفة البشرية والاقتصادية الهائلة للحرب.

بهذا يتحوّل الدين من مجال روحي حر إلى أداة تعبئة سياسية وعسكرية.

4. تهديد التعايش العالمي والسلم بين الشعوب

العالم اليوم مترابط ومتعدد الثقافات والأديان. إدخال مفاهيم لاهوتية متطرفة في الخطاب العسكري الرسمي يُغذّي الاستقطاب الحضاري، ويحوّل نزاعاً جيوسياسياً محدوداً إلى صراع هويات دينية عابر للقارات. هذا الاستقطاب لا يهدد فقط أطراف النزاع المباشرين، بل ينعكس سلباً على المجتمعات المختلطة داخل الدول نفسها.

الدفاع عن حرية المعتقد يتطلّب —في الوقت ذاته— رفض استغلاله لتبرير العنف أو العدوان. احترام الدين يعني حمايته من التوظيف السياسي الرخيص، لا تحويله إلى ذخيرة في معارك النفوذ.

توظيف الدين في الحروب انحراف عن مبادئ القانون الدولي، ومساس بروح حقوق الإنسان، وتضليل خطير للرأي العام. الحروب قرارات بشرية، يجب أن تُقيَّم بمعايير بشرية: الشرعية، التناسب، حماية المدنيين، والمساءلة الكاملة.

استدعاء السماء لتبرير نزاعات الأرض ليس سوى محاولة لإضفاء قداسة مصطنعة على ما هو —في جوهره— صراع مصالح وقوة.

في زمن تتفاقم فيه الأزمات، يصبح التمسك بالعقلانية القانونية، وأولوية الحلول السلمية، وفصل المجال الديني عن قرارات الحرب والسلام، شرطاً أخلاقياً وسياسياً لحماية الإنسان قبل أي اعتبار آخر.


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك