المغرب يضع الصحراء أمام معادلة اللاعودة وتسريب من 40 صفحة يوضح المعالم الكبرى لوثيقة الحكم الذاتي المقترحة في مدريد

المغرب يضع الصحراء أمام معادلة اللاعودة وتسريب من 40 صفحة يوضح المعالم الكبرى لوثيقة الحكم الذاتي المقترحة في مدريد
ديكريبتاج / الخميس 12 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:لبنى مطرفي

 كشف وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة من قلب مدريد خلال اللقاء الأخير، عن نسخة موسعة ومفصلة لخطة الحكم الذاتي الخاصة بالصحراء، في وثيقة تقنية تمتد على نحو أربعين صفحة، تعيد صياغة المقترح المغربي بلغة قانونية دقيقة أقرب إلى نظام أساسي عضوي متكامل منها إلى مبادرة سياسية قابلة للتأويل.

فالوثيقة، التي جرى إعدادها بتنسيق مباشر بين مستشاري الملك محمد السادس الطيب الفاسي الفهري وعمر عزيمان وفؤاد عالي الهمة، جاءت عقب قرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي رسّخ الحكم الذاتي الجاد والواقعي وذي المصداقية كأرضية لأي حل نهائي للنزاع.

والنص الجديد لا يكتفي بتحديث مبادرة 2007، بل يحولها إلى هندسة مؤسساتية مفصلة مادة بمادة، تتضمن تعريفات دقيقة للاختصاصات، وأحكاماً انتقالية، وآليات رقابة دستورية، وترتيبات مالية وتنفيذية، تجعل المشروع أقرب إلى نموذج حكم ذاتي على الطريقة الأوروبية، مع تحصين واضح للوحدة الترابية ومنع أي تأويل يمكن أن يفتح باب الانفصال، حسب ما جاء في الإعلام الدولي وخصوصا منه الإسباني.

ووفق المعطيات المتداولة، فقد اعتُمدت الوثيقة كمرجعية تقنية خلال اجتماع مدريد، على أن تنكب عليها لجنة خبراء من المغرب والجزائر وموريتانيا، تمهيداً لاجتماعات مرتقبة رفيعة المستوى قد تحتضنها واشنطن في الربيع المقبل.

هذا، ويقترح المشروع، توزيعاً دقيقاً للاختصاصات يقوم على لائحة حصرية لصلاحيات الدولة السيادية، تشمل الدفاع والأمن الاستراتيجي والسياسة الخارجية والعملة والجنسية والرموز السيادية والنظام القضائي الأعلى.

مقابل صلاحيات موسعة للجهة، في مجالات التخطيط والتنمية الاقتصادية والصناعية والسياحية وتدبير الصيد البحري والسياسات الاجتماعية والصحة والتعليم والبيئة والبنيات التحتية والطاقية والثقافية، مع سلطة إصدار قواعد تنظيمية ملزمة داخل نطاقها الترابي.

ويؤسس النص لمبدأ “الولاء الدستوري”، مانحاً للدولة حق تعليق بعض الصلاحيات الجهوية في حالات استثنائية ومؤطرة إذا تعرض النظام الدستوري أو الوحدة الترابية لتهديد جسيم.

أما على المستوى التشريعي، يقترح المشروع إحداث برلمان جهوي بغرفة واحدة قائم على شرعية مزدوجة تجمع بين الانتخاب العام المباشر وفق نظام نسبي، وتمثيلية القبائل الصحراوية المعترف بها وفق معايير قانون تنظيمي يضمن الشفافية.

ويتضمن حصصاً إلزامية، لتمثيل النساء، ويمنح البرلمان سلطة تشريعية كاملة داخل اختصاصاته، مع إمكانية اعتماد قوانين تنظيمية بأغلبية معززة، فيما يحتفظ المنتخبون بعضويتهم في البرلمان الوطني لضمان حضور الإقليم في القرارات السيادية.

أما السلطة التنفيذية، فيقودها رئيس حكومة جهوي يُنصّب رسمياً من قبل الملك وفق آلية دستورية مؤطرة، وهو البند الذي يشكل إحدى نقاط التباين في النقاشات، في ظل تمسك الرباط بصيغة التعيين المنظم تفادياً لظهور شرعية تنفيذية موازية، قد تدخل في تنازع مع مؤسسات الدولة المركزية.

ويتمتع رئيس الحكومة الجهوي، بسلطات تنظيمية وإدارية واسعة، ويخضع للمساءلة عبر ملتمس رقابة بنّاء يفرض تعيين خلف له، في صيغة مستلهمة من النماذج البرلمانية المقارنة.

ويقر المشروع بنية قضائية جهوية، تشمل محاكم ابتدائية واستئنافية تطبق القوانين الجهوية باسم الملك، إضافة إلى هيئة عليا جهوية للنظر في النزاعات المتعلقة بالقانون المحلي، مع خضوعها للرقابة الدستورية الوطنية.

كما ينص على آلية مختلطة لتسوية النزاعات بين الدولة والجهة قبل اللجوء إلى المحكمة الدستورية، بما يعكس سعياً لتفادي التصادم المؤسساتي.

مالياً، يعتمد النظام المقترح على موارد ذاتية تشمل ضرائب ترابية وإتاوات على استغلال الموارد الطبيعية ونسبة محددة من العائدات الوطنية المتأتية من الإقليم، مع إخضاع الميزانية لآليات انضباط صارمة وتنسيق اقتصادي كلي، ومساهمة الجهة في الميزانية العامة مقابل الاستفادة من صندوق توازن تحت رقابة المجلس الأعلى للحسابات.

كما ينص على رقابة مزدوجة، جهوية ووطنية، على الاستثمارات الأجنبية عبر ترخيص تراكمي، في تأكيد صريح على أولوية السيادة الاقتصادية والأمن الاستراتيجي.

ويتضمن النص ترتيبات انتقالية لمعالجة ملف مخيمات تندوف، عبر آليات تسجيل وضبط للهوية وتنظيم العودة، وإنشاء لجنة دائمة للإشراف على العملية، إلى جانب برنامج لنزع السلاح وإعادة الإدماج مصحوب بعفو منظم يستثني الجرائم الدولية.

كما يقضي بعرض النظام الأساسي للحكم الذاتي على استفتاء وطني يشارك فيه جميع الناخبين المغاربة، قبل إدماجه في الدستور ضمن باب خاص محصن ببند عدم المساس، مع إخضاع أي تعديل لاحق لمساطر مشددة بأغلبية معززة على المستويين الجهوي والوطني.

الوثيقة، تؤكد حصرية الدولة في العلم والنشيد والشعار والعملة، مع الاعتراف بالهوية الحسانية كمكون من مكونات التراث المغربي وإحداث معهد جهوي خاص بها، وتحديد صلاحيات الأمن الترابي في نطاق الشرطة الإدارية والقضائية المحلية تحت تنسيق وطني صارم، مع حظر أي شكل من أشكال الدبلوماسية الموازية.

و تنص الوثيقة المذكورة كذلك، على جدول زمني للتنزيل التدريجي، وتقييم دوري كل خمس سنوات، وبند صريح لعدم القابلية للرجوع يستبعد أي تأويل يمنح حق الانفصال.

ورغم أن الوثيقة لم تُنشر رسمياً بعد وما تزال بعض بنودها قيد التحكيم والتطوير، فإن ما تسرب من مضامينها يكشف عن انتقال الرباط من منطق عرض مبادرة سياسية إلى فرض معمار دستوري متكامل يراد له أن يكون نهاية الطريق في ملف طال أمده.

فالمغرب لا يطرح مجرد صيغة تفاوضية جديدة، بل يقدم تصوراً مؤسساتياً مغلقاً على خيار واحد، مفاده حكم ذاتي موسع تحت سيادة غير قابلة للتجزئة، في رسالة واضحة إلى الداخل والخارج بأن زمن المناطق الرمادية يقترب من نهايته، حسب رأي أغلب المحللين المغاربة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك