المجلس الأعلى للحسابات يفتح النار و15 جهازاً عمومياً في قفص التأديب وملفات المال العام تُطوّق المنتخبين والإداريين

المجلس الأعلى للحسابات يفتح النار و15 جهازاً عمومياً في قفص التأديب وملفات المال العام تُطوّق المنتخبين والإداريين
ديكريبتاج / السبت 31 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

دخل ملف التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية مرحلة غير مسبوقة من التشدد، بعدما كشف المجلس الأعلى للحسابات عن حصيلة ثقيلة تُظهر اتساع دائرة المتابعات وتعمّق أزمة الحكامة داخل عدد كبير من الأجهزة العمومية والترابية، في مؤشر سياسي واضح على أن تدبير المال العام بات تحت مجهر رقابي صارم لا يعترف بالمواقع ولا بالصفات.

مؤسسات عمومية في الواجهة والدولة أقل حضوراً

وفق المعطيات الرسمية، بلغ عدد القضايا الرائجة أمام المجلس الأعلى للحسابات، ما بين سنة 2024 وإلى نهاية شتنبر 2025، خمس عشرة قضية تهم العدد نفسه من الأجهزة العمومية. اللافت أن المؤسسات العمومية استحوذت وحدها على النصيب الأكبر، بنسبة وصلت إلى 80 في المائة، بما يعكس تركّز الاختلالات داخل هذا القطاع الذي يبتلع جزءاً مهماً من الميزانيات العمومية. في المقابل، لم تتجاوز قضايا مرافق الدولة 13 في المائة، بينما حضرت شركات الدولة بنسبة هامشية لم تتعدَّ 7 في المائة، في توزيع يطرح أسئلة حول طبيعة المراقبة وحجم المسؤوليات.

الجماعات الترابية:الحلقة الأضعف في منظومة التدبير

على مستوى المجالس الجهوية للحسابات، تبدو الصورة أكثر قتامة. فقد همّت القضايا الرائجة 141 جهازاً، كانت الغالبية الساحقة منها جماعات ترابية بنسبة قاربت 89 في المائة، ما يؤكد أن التدبير المحلي لا يزال يمثل نقطة هشاشة كبرى في منظومة الحكامة. تلتها العمالات والأقاليم، ثم هيئات التعاون بين الجماعات، فالجهات، في حين سُجّلت حالات محدودة لمقاطعات ومؤسسات عمومية خاضعة لوصاية الجماعات الترابية.

رؤساء جماعات في قلب العاصفة

الأرقام تكشف أيضاً أن المسؤولية السياسية والانتدابية توجد في صلب المتابعات. فقد بلغ عدد الأشخاص المتابعين أمام المجالس الجهوية للحسابات 332 شخصاً، يشكل رؤساء المجالس الجماعية ورؤساء الأجهزة المنبثقة عن التعاون بين الجماعات الترابية ما يقارب نصفهم. ويبرز حضور رؤساء جماعات، ورؤساء أقاليم وعمالات، ورؤساء جهات ومقاطعات، إلى جانب موظفين ومسؤولين إداريين، ما يعكس تشابك المسؤوليات بين القرار السياسي والتنفيذ الإداري.

المجلس الأعلى للحسابات:مسؤولون كبار تحت المساءلة

في القضايا الرائجة أمام المجلس الأعلى للحسابات نفسه، توبع 63 شخصاً خلال الفترة نفسها، كان ما يقارب نصفهم من فئة المسؤولين والأمرين بالصرف ومساعديهم. وتشمل هذه الفئة مديرين لمؤسسات عمومية، ومديراً عاماً لشركة دولة، ومسؤولين مركزيين وخارجيين داخل قطاعات وزارية، إضافة إلى رؤساء أقسام ومصالح وموظفين، في صورة تؤكد أن الرقابة لم تعد تقتصر على المستوى المحلي فقط.

سلطة التدبير:من امتياز إلى عبء مساءلة

تبرر هذه الحصيلة الثقيلة بطبيعة الصلاحيات الواسعة المخولة للأمرين بالصرف والمدبرين العموميين، الذين يتحملون مسؤولية مباشرة في اتخاذ القرار وتنفيذ العمليات المالية. غير أن هذه السلطات، التي يفترض أن تخدم النجاعة والفعالية، تحولت في حالات كثيرة إلى مدخل لاختلالات تدبيرية، كشفتها تقارير الرقابة وربطت المسؤولية بالمحاسبة.

رسالة سياسية بلا لبس

ما تعكسه هذه الأرقام يتجاوز مجرد إحصاء قضائي، ليحمل دلالة سياسية واضحة: مرحلة جديدة من التشدد في مراقبة المال العام، ورسالة مباشرة إلى المنتخبين والمسؤولين مفادها أن هامش التساهل يضيق، وأن سوء التدبير لم يعد يُعالج بالتقارير فقط، بل بالمساءلة القضائية. وهي حصيلة تضع الحكامة العمومية أمام اختبار حقيقي، وتعيد طرح سؤال جوهري: هل يتحول منطق المحاسبة إلى رافعة إصلاح حقيقية، أم يظل مجرد رد فعل رقابي في منظومة تعيد إنتاج الاختلالات؟

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك