حين تُحاصَر الصحافة بالمال ومشروع حكومي يعيد هندسة الإعلام على مقاس السلطة

حين تُحاصَر الصحافة بالمال ومشروع حكومي يعيد هندسة الإعلام على مقاس السلطة
ديكريبتاج / السبت 13 دجنبر 2025 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب:ياسر اروين

في مناخ يتّسم بتآكل الثقة في الفعل العمومي واحتدام الجدل حول المسؤولية والمحاسبة، يعود سؤال الدولة إلى الواجهة بإلحاح أكبر، أين تقف حين تتشابك السياسة بالمال، ويتداخل الدين مع الحسابات الحزبية، وتدخل الصحافة بدورها دائرة المصالح الاقتصادية؟

فكما كان الجمع بين المال والسياسة مدخلاً تقليدياً للفساد، وكما شكّل تسييس الدين خطراً على المجالين معاً، يبرز اليوم خطر ثالث بالمغرب لا يقل حدّة، يتمثل في إخضاع الصحافة لمنطق المال تحت لافتة “الإصلاح والتنظيم”.

آمال معلّقة وخيبة متجددة

مع تعيين وزير شاب على رأس قطاع الثقافة والتواصل، سادت توقعات بقطيعة مع أساليب الوصاية والتحكم، وبانتصار لقيم الحرية والاستقلالية والتحديث.

غير أن مشروع تعديل الإطار المنظم للمجلس الوطني للصحافة، كما قُدّم للرأي العام، جاء ليبدد تلك الآمال، مؤكداً أن منطق التحكم لم يغادر الحقل الإعلامي، بل عاد في صيغة أكثر نعومة وأشد أثراً.

رقم المعاملات بدل القيمة المهنية

أبرز ما يثير الجدل في المشروع هو إدخال معيار رقم المعاملات كمرتكز لتنظيم المهنة، في خطوة تُقرأ على نطاق واسع كمحاولة لشرعنة الربط بين الوجود المهني والقدرة المالية.

هذا التوجه لا يفضي إلا إلى إقصاء الصحافة المستقلة والهشة اقتصادياً، وتعزيز هيمنة مقاولات إعلامية كبرى غالباً ما ترتبط بدوائر المال والنفوذ، ما يحوّل التنظيم إلى أداة انتقاء لا إلى آلية إنصاف.

من سلطة رقابية إلى نشاط تجاري

بهذا المنطق، لا يبدو أن المشروع يسعى إلى تقويم المهنة بقدر ما يعيد هندسة المشهد الإعلامي على مقاس فاعلين محددين، ويدفع بالصحافة نحو التحول من سلطة رقابية مستقلة إلى نشاط اقتصادي خاضع لقواعد السوق والزبونية.

والأخطر من ذلك، هو الانحياز الواضح لفئة الناشرين على حساب الصحافيين، عبر تقليص تمثيليتهم وتفريغ مفهوم التنظيم الذاتي من جوهره.

تهميش مهني وأسئلة بلا أجوبة

إقصاء هيئات مهنية وازنة ذات تاريخ تمثيلي يطرح بدوره أسئلة مشروعة حول معايير الاختيار وخلفياته السياسية.

فبدل توسيع قاعدة المشاركة وضمان التوازن داخل المجلس الوطني للصحافة، يتجه المشروع نحو تركيز القرار في يد أرباب المقاولات، بما يقوض الديمقراطية المهنية ويضعف استقلالية القرار الصحافي.

إصلاح بالشعارات وتحكم بالوقائع

التناقض الصارخ في المشروع، يتمثل في رفعه خطاب الإصلاح والأخلاقيات، بينما يربط أخلاق المهنة بالملاءمة المالية، ويتحدث عن التحديث في الوقت الذي يعيد فيه إنتاج آليات التحكم والوصاية.

فالصحافة لا تُصلح بالأرقام ولا تُقوَّم بمنطق السوق، بل تُحمى بالحرية، والتعددية، وتنظيم ذاتي حقيقي يضع الصحافيين في قلب القرار.

الرهان الديمقراطي

ما يحتاجه المغرب اليوم ليس تشريعاً يُخضع الصحافة للمال، بل رؤية ديمقراطية شجاعة تعترف بأن صحافة مستقلة وقوية قد تكون مزعجة، لكنها شرط لا غنى عنه لأي انتقال ديمقراطي حقيقي.

أما تحويلها إلى ملحق للسوق والسلطة، فليس سوى طريق مختصر نحو إفراغها من دورها، وإضعاف المجتمع برمته.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك