أنتلجنسيا:سميرة زيدان
ما بدأ كملف داخلي لتصفية حسابات داخل شركة تنشط في جنوب البلاد، انتهى بانفجار قضائي من العيار الثقيل قلب الطاولة على مسيريها، بعدما تحوّلوا من طرف يلاحق محاسباً بتهم خيانة الأمانة إلى متهمين في قضية يُشتبه في أنها واحدة من أخطر عمليات النصب والتهرب الضريبي، بقيمة تناهز 60 مليار سنتيم، اعتماداً على تزوير فواتير، وإخفاء رقم المعاملات الحقيقي، واستعمال حسابات بنكية خارج مسار التصريح القانوني.
فخلال أطوار محاكمة محاسب الشركة، الذي كان متابعاً على خلفية اختفاء مبالغ ضخمة، فجّر هذا الأخير معطيات صادمة أمام القضاء، متهماً مسيري الشركة بالوقوف وراء مخطط محكم للاحتيال على الدولة، عبر مطالبته بشكل مباشر بتزوير الفواتير وتقليص رقم المعاملات السنوي بنسبة تقارب 70 في المائة، قصد أداء ضرائب هزيلة لا تعكس النشاط الحقيقي للمؤسسة. هذه التصريحات لم تمرّ مرور الكرام، إذ دفعت هيئة الحكم إلى الأمر بإجراء خبرة تقنية ومالية للتأكد من حجم التلاعبات المزعومة.
المعطيات الجديدة دفعت إلى تحريك آلة الشكايات على أعلى مستوى، حيث جرى توجيه ملفات مدعّمة بكشوفات حسابات ووثائق مالية إلى رئاسة النيابة العامة بالرباط، ومديرية الضرائب، وإدارة الجمارك، ومكتب الصرف، ووحدة معالجة المعطيات المالية، وكلها تتحدث عن وجود عملية نصب منظمة استهدفت المال العام، عبر تحويل فروقات مالية غير مصرح بها إلى حسابات بنكية بالأقاليم الجنوبية، وتسديد صفقات في سرية تامة بعيداً عن أعين المراقبة.
القضية اتخذت بعداً أكثر تعقيداً بدخول مساهمين في الشركة على الخط، بعدما ظلّوا لسنوات يتساءلون عن سبب ضعف الأرباح، رغم أن رقم معاملات الشركة الحقيقي، حسب تقديراتهم، يفوق 70 مليار سنتيم سنوياً. عمليات افتحاص أنجزت بمساعدة خبراء كشفت، حسب روايتهم، أن الرقم المصرح به لهم وللدولة لا يتجاوز 10 ملايير سنتيم، ما فتح الباب أمام شبهة تضليل ممنهج وإقصاء للمساهمين من حقوقهم.
وتشير الشكايات إلى أن مسيري الشركة غيّروا أسلوب التحايل التقليدي، فبدل تضخيم تكاليف الإنتاج لتقليص الأرباح الخاضعة للضريبة، لجؤوا إلى تزوير الفواتير من الأصل، عبر التصريح بكميات وهمية من المواد الأولية، بتواطؤ مع أطراف أخرى، حيث يُدوَّن في الفاتورة اقتناء طن أو طنين، في حين أن الواقع يتحدث عن أطنان مضاعفة. هذا الأسلوب مكّن، وفق المشتكين، من تقليص رقم المعاملات من 70 ملياراً إلى 10 ملايير فقط، والتصريح بأرباح صافية لا تتجاوز 500 مليون سنتيم سنوياً.
ولإحكام السيطرة على هذا المخطط ومنع انكشافه، تتحدث الشكايات عن لجوء المسيرين إلى تسجيل أسطول شاحنات الشركة بأسماء مستخدمين، واعتماد الأسلوب نفسه مع عدادات الكهرباء، في محاولة لتفادي أي تقاطع بين حجم الاستهلاك الطاقي وحجم الإنتاج الحقيقي، الذي من شأنه أن يفضح تناقضاً صارخاً مع الأرقام المصرح بها رسمياً.
القضية، التي ما تزال في طور التحقيق والتقاضي، لم تعد مجرد نزاع مالي داخل شركة، بل تحولت إلى ملف ثقيل يضع منظومة المراقبة الجبائية والمالية أمام اختبار حقيقي، ويطرح أسئلة محرجة حول كيف يمكن لشركة تحقق عشرات المليارات أن تمرّ لسنوات تحت الرادار، قبل أن تفضحها شهادة محاسب رفض أن يكون كبش فداء في لعبة أكبر منه.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك