أنتلجنسيا:فاس
تفجّرت أمام ابتدائية فاس واحدة من أكثر ملفات الفساد المحلي حساسية، بعدما قررت المحكمة استدعاء الشركة الجهوية المتعددة الخدمات، تحت إشراف النيابة العامة، باعتبارها طرفاً متضرراً في قضية ثقيلة تتعلق بتزوير رخص الربط بشبكتي الماء والكهرباء داخل تجزئتي القطب الحضري والانبعاث بجماعة عين الشقف بإقليم مولاي يعقوب، في ملف يضع منظومة التدبير المحلي برمتها تحت مجهر المساءلة القضائية.
القضية، التي يتابع فيها ثلاثة متهمين يقبعون بسجن بوركايز، من بينهم كاتب عمومي، لا تتعلق فقط بخروقات إدارية معزولة، بل تكشف عن ممارسات ممنهجة سمحت بتمرير رخص مزورة لفائدة مواطنين دون غيرهم، في ضرب صارخ لمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، وهو ما فجّر احتجاجات الساكنة وجرّ المجلس الجماعي إلى قلب العاصفة.
وبحسب معطيات الملف، فإن مراسلة رسمية وجهها رئيس جماعة عين الشقف إلى الشركة الجهوية كانت الشرارة التي كشفت خيوط التزوير، بعدما تبيّن أن مطبوعات الرخص المشكوك فيها لا تمت بصلة لتلك المعتمدة من طرف الجماعة، سواء من حيث الشكل أو الصيغة أو حتى أختام التواريخ، ما أكد أن الوثائق المتداولة جرى تصنيعها خارج المساطر القانونية.
التحقيقات أظهرت أن ما لا يقل عن 30 رخصة مزورة، منها 17 تتعلق بالماء و13 بالكهرباء، استُعملت لربط عدادات داخل التجزئتين، في وقت كانت فيه طلبات أخرى تُرفض أو تُجمّد دون مبررات واضحة، وهو ما غذّى الإحساس بالحيف والتمييز وسط الساكنة، ودفع ثلاثة مستشارين جماعيين إلى دق ناقوس الخطر داخل المجلس.
وأمام خطورة المعطيات، قررت النيابة العامة متابعة المتهمين بتهم ثقيلة تشمل النصب، والتزوير في محررات إدارية، والمشاركة في التزوير، واستعمال وثائق مزورة، في انتظار ما ستسفر عنه جلسة التاسع من فبراير، التي استُدعي لها أيضاً 22 زبوناً معنيين بالملف، في خطوة قد توسّع دائرة المساءلة وتكشف مدى تشعب الشبكة المتورطة.
القضية لا تُحرج فقط المتهمين المباشرين، بل تضع الجماعة الترابية والشركة الجهوية معاً أمام امتحان الثقة والشفافية، خاصة مع إعلان نيتهما الانتصاب كطرف مدني، في مسعى لاسترجاع الاعتبار المؤسساتي وتحميل المسؤوليات لمن تلاعب بحقوق المواطنين وحوّل خدمات أساسية إلى مجال للوساطة والزبونية.
وإذا كانت المحاكمة الجارية تسعى إلى إنصاف المتضررين، فإنها في العمق تطرح سؤالاً أكبر حول فعالية آليات المراقبة داخل الجماعات الترابية، وحول مدى جدية الدولة في تفكيك بؤر الفساد الصغير الذي ينخر الحياة اليومية للمغاربة، ويحوّل الماء والكهرباء من حق دستوري إلى امتياز يُشترى ويُزوّر.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك