بين الانطباع والحصافة: في نقد التزكية المتسرعة للفاعل السياسي

بين الانطباع والحصافة: في نقد التزكية المتسرعة للفاعل السياسي
أقلام حرة / الثلاثاء 07 أبريل 2026 / لا توجد تعليقات:

​بقلم: د. أحدو محمد

​في سياق المشهد السياسي المتقلب ، يميل البعض من  الرأي العام غالبا إلى منح "صكوك النزاهة" لبعض الوجوه السياسية مع قرب كل استحقاق انتخابي ، وخاصة حين يتعلق الأمر بمسؤول سابق، بناء على انطباعات مستعادة أو خطابات عاطفية توحي بالصلاح والزهد. غير أن هذا الاندفاع في إعادة تلميع الصور أو إصدار أحكام القيمة يمثل نوعاً من "التسرع السيكولوجي" الذي قد يحجب الرؤية عن جوهر الممارسة السياسية؛ فالحكم على وافد لتدبير الشأن العام  أو مدبر سابق يقتضي، قبل كل شيء، بناء رؤية حصيفة تستند إلى معايير التقييم المؤسساتي لا إلى مشاعر الحنين أو الكاريزما الشخصية. إن بناء الحكم انطلاقا من "الانطباع" هو ارتهان للمظهر على حساب الجوهر، وتجاهل لحقيقة أن النزاهة في العمل العام هي "سلوك تدبيري" يُقرأ من خلال مآلات القرارات وآثارها الميدانية، وليس مجرد سمة خلقية تُنسب للفرد بمعزل عن سياق ممارسته للسلطة.

​إن هذا الاندفاع نحو منح صكوك النزاهة بناء على انطباعات بصرية أو "بروفايلات" جاهزة، يجد تفسيره العميق في ما أسماه الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبري (Régis Debray) (1) بسطوة "الدولة الغاوية" (L'État séducteur)، حيث يتم تعويض "الفعل التدبيري" بـ "الإغواء البصري" الذي يستهدف الوجدان قبل العقل. وهو ما ينسجم تماما مع نقد الدكتور محمد عابد الجابري (2) للعقل السياسي، حين حذر من آفة الخلط بين "التقويم  الأخلاقي للفرد" وبين "الكفاءة المؤسساتية للمسؤول". فالحصافة تقتضي ألا نسقط في فخ "التوسم" لمجرد أن الشخص يمتلك قدرات ما ، بل أن نخضعه لمنطق المحاسبة التاريخية والتدبيرية؛ فالمسؤول السابق لا يُستعاد كـ"وجه" بل كـ"أثر"، والحكم الحصيف عليه يتطلب فحصا للمسارات وتحليلاً لنتائج السياسات التي نهجها، بعيداً عن ضجيج "السوشل ميديا" التي تميل بطبعها إلى تقديس الأشخاص  وتسويقهم للرأي العام أو شيطنتهم بناء على لقطات عابرة.

​إن خطورة الأحكام المتسرعة تجاه المسؤولين السابقين أو الراغبين في الانخراط في العمل التدبيري ، تكمن في أنها تغيب "المنجز المؤسساتي" لصالح "الهالة الفردية"، بينما النزاهة الحقيقية هي تلك التي تعكسها الأرقام، والمساطر، والتحولات البنيوية التي أحدثها الفاعل في تدبيره وانعكاس ذلك على المجال الذي يمثله .

لذا، فإن التريث في إصدار الأحكام هو فعل وطني واع  يحمي المجتمع من إعادة إنتاج الخيبات، ويتطلب الحفاظ على "مسافة نقدية"  ضرورية تسمح بظهور الحقائق كاملة تحت ضوء التبصر لا تحت بريق الانبهار أو الترويج الزائف .

إن النزاهة في السياسة ليست صكا يُمنح بضمانة المظهر أو الماضي الشخصي، بل هي عقد يُبرم بالعمل ويُصدق عليه بالنتائج الملموسة، وبناء الحكم الحصيف هو الكفيل وحده بتحويل الفعل السياسي من مجرد انطباعات عاطفية إلى ممارسة ديمقراطية واعية قوامها التعاقد والمحاسبة واليقظة المنهجية.

​الهامش:

(1) Régis Debray. L'État séducteur : Les révolutions médiologiques. Gallimard, 1993.

(2) محمد عابد الجابري. نقد العقل السياسي العربي: المحددات والتجليات. مركز دراسات الوحدة العربية.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك