بقلم : مصطفى شكري
في زمنٍ تختلط
فيه الأوراق وتتشابك فيه المصالح، لم يعد من السهل الفصل بين ما هو ديني وما هو
سياسي، ولا بين ما هو مبدئي وما هو انتهازي. وفي خضم هذا الضباب الكثيف، يخرج
علينا بعض الأصوات، من قبيل حمزة الخالدي، بخطابات تُقدَّم على أنها دفاع عن
العقيدة، بينما هي في جوهرها تعبير عن اصطفاف سياسي واضح، ينحاز فيه صاحبه إلى
محور على حساب آخر، حتى وإن كان هذا المحور يضم قوى معادية تاريخيًا للأمة
الإسلامية. إن الحديث عن الحرب على إيران لا يمكن اختزاله في خطاب مذهبي ضيق، ولا
يمكن تبريره بمنطق التخوين أو التكفير، لأن الواقع أعقد بكثير من هذه الثنائيات
السطحية.
إن إيران،
مهما اختلفنا معها في كثير من السياسات أو التوجهات، تبقى دولة مسلمة، وشعبها
مسلم، ينتمي في غالبيته إلى المذهب الشيعي، الذي هو أحد المذاهب الإسلامية
المعروفة. والشيعة، رغم الخلافات العقدية والتاريخية معهم، يشهدون أن لا إله إلا
الله وأن محمدًا رسول الله، ويؤمنون بالقرآن الكريم، ولا يجوز بأي حال من الأحوال
إخراجهم من دائرة الإسلام أو التعامل معهم كأعداء وجوديين. إن هذا المنطق الإقصائي
هو الذي مزّق الأمة، وفتح الباب أمام التدخلات الخارجية، وجعل من الصراعات
الداخلية أداة في يد القوى الكبرى.
وفي المقابل،
فإن الاصطفاف إلى جانب إسرائيل، أو تبرير سياساتها العدوانية، أو الصمت عن جرائمها
في حق الشعب الفلسطيني، لا يمكن تبريره بأي ذريعة دينية أو سياسية. فإسرائيل ليست
مجرد دولة تختلف مع إيران، بل هي كيان قام على الاحتلال، ويمارس سياسات القمع
والتهجير والاستيطان، بدعم مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية. فكيف يُعقل أن
يُقدَّم هذا الكيان كحليف ضمني، أو أن يُبرَّر الوقوف في صفه، فقط لأن الطرف الآخر
هو إيران؟ أليس في ذلك انقلاب في الموازين، واختلال في البوصلة الأخلاقية
والسياسية؟
إن استحضار
التاريخ لتبرير هذا الاصطفاف، كما يفعل البعض، هو استحضار انتقائي، يُغفل كثيرًا
من الحقائق، ويركّز فقط على ما يخدم الخطاب المسبق. فعندما يُذكر ما وقع في عهد
حافظ الأسد في أحداث حماة، يتم تقديمه كدليل على “إجرام الشيعة”، رغم أن الرجل كان
حاكمًا سياسيًا، ومسؤولًا عن أفعال نظامه، ولا يمكن تعميم أفعاله على مذهب بأكمله.
وفي المقابل، يتم تجاهل ما وقع في مناطق أخرى من العالم الإسلامي، حيث قُتل
المسلمون على يد أنظمة أو جماعات تنتمي إلى مذاهب مختلفة، دون أن يُستخدم ذلك
لتكفير تلك المذاهب أو إخراجها من الإسلام.
كما أن الحديث
عن محمد بن عبد الوهاب، وتحميله مسؤولية كل ما قامت به جماعات متطرفة في العصر
الحديث، هو أيضًا نوع من التبسيط المخل، وإن كان لا يُعفي من ضرورة مراجعة بعض
الأفكار التي تم توظيفها لاحقًا في سياقات عنيفة. غير أن الأخطر من ذلك، هو
استخدام هذه الانتقائيات التاريخية لتبرير تحالفات مع قوى خارجية، أو لتغذية خطاب
الكراهية بين المسلمين.
ومن المفارقات
التي تكشف زيف هذا الخطاب، أن كثيرًا من أعلام الإسلام الذين يُعتمد عليهم في
التراث السني، كانوا من أصول غير عربية، ومن بينهم كبار علماء الحديث مثل محمد بن
إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج وأبو داود السجستاني والترمذي وابن ماجه، وهو ما
يدل على أن الإسلام لم يكن يومًا حكرًا على قوم أو عرق، بل كان فضاءً مفتوحًا لكل
من آمن به وأسهم في بنائه. فكيف يُستخدم اليوم الانتماء القومي أو المذهبي كمعيار
للحكم على الناس، أو لتحديد من هو “معنا” ومن هو “ضدنا”؟
إن الخطاب
الذي يتبناه بعض المنتسبين إلى التيار السلفي المدخلي، والذي يركّز على الطاعة
المطلقة للسلطة، يتحول في كثير من الأحيان إلى أداة لتبرير مواقف سياسية منحازة،
حتى وإن كانت هذه المواقف تتعارض مع مصالح الأمة أو مع مبادئ العدالة. ويتم في هذا
السياق تخوين كل من يخالف هذا التوجه، واتهامه بالبدعة أو الضلال، بل وربما
بالكفر، وهو ما يُعيد إنتاج نفس المنطق الإقصائي الذي يُنتقد عند الآخرين.
وفي الوقت
نفسه، يتم استحضار نماذج متطرفة مثل تنظيم داعش، وتقديمها كدليل على “انحراف” تيار
معين، دون الإشارة إلى السياقات المعقدة التي نشأت فيها هذه الجماعات، والدور الذي
لعبته قوى دولية وإقليمية في تغذيتها أو توظيفها. إن اختزال هذه الظواهر في بُعد
واحد، وتجاهل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، هو نوع من التبسيط الذي
لا يساعد على الفهم، بل يُكرّس الجهل ويُغذّي الانقسام.
إن استخدام
النصوص الدينية في هذا السياق يجب أن يكون استخدامًا واعيًا ومسؤولًا، يأخذ بعين
الاعتبار السياق التاريخي واللغوي، ولا يُحوّل هذه النصوص إلى شعارات تُستخدم
لتبرير مواقف سياسية آنية. فالعلاقات بين الدول اليوم لا تُبنى فقط على أساس
الانتماء الديني، بل على شبكة معقدة من المصالح والتحالفات، والدول الإسلامية
نفسها تقيم علاقات مع دول غير مسلمة، دون أن يُعتبر ذلك خيانة للدين.
وفي النهاية،
فإن الرد على حمزة الخالدي، أو على غيره ممن يتبنون هذا الخطاب، لا يكون فقط
بتفنيد أقوالهم، بل بتقديم رؤية بديلة، تقوم على الفهم العميق للواقع، وعلى احترام
التنوع داخل الأمة، وعلى رفض الانجرار وراء خطاب الكراهية والتخوين. إن الأمة
الإسلامية اليوم في أمسّ الحاجة إلى خطاب يجمع ولا يفرّق، يُحلل ولا يُكفّر، يُدرك
تعقيدات السياسة دون أن يفقد البوصلة الأخلاقية، ويضع مصلحة الشعوب فوق حسابات
الأيديولوجيا الضيقة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك