أنتلجنسيا:أبو فراس
فتح معرض مراكش الدولي للطيران المجال أمام مباحثات صناعية مغربية تركية جديدة، تمحورت حول إمكانية نقل خبرات تصنيع المحركات النفاثة والتوربينية إلى المملكة، وإدماج الكفاءات الوطنية والموردين المحليين في سلاسل الإنتاج، بما يدعم توجه المغرب نحو تطوير قاعدة صناعية متخصصة في مجالات الطيران والصناعات الدفاعية.
وتناولت المباحثات التي جمعت وزير الصناعة والتجارة المغربي برئيسة مجموعة «كال جروب» التركية فرص إقامة تعاون صناعي في مجالات المحركات النفاثة والتصنيع الفضائي والدفاعي، مع التركيز على إمكانات توطين هذه الصناعة داخل المغرب، وتوسيع مساهمة الشركات الوطنية في مراحل التصنيع والتوريد.
ويكتسب هذا التوجه أهمية بالنظر إلى طبيعة المحركات النفاثة باعتبارها مكوناً أساسياً في عدد من المنظومات الجوية والصاروخية، خصوصاً صواريخ كروز والطائرات المسيّرة الهجومية، إذ يتطلب تطوير هذه الأنظمة امتلاك خبرات تقنية وصناعية متقدمة، إلى جانب توفير سلاسل إمداد قادرة على ضمان إنتاج المكونات الرئيسية وصيانتها وتطويرها.
وتأتي هذه التحركات في سياق مساعي المغرب إلى تنويع شراكاته الدولية في مجال الصناعات الدفاعية، بالتوازي مع ما أورده المصدر بشأن اتفاق مغربي إماراتي يتعلق بالتعاون في تصنيع محركات نفاثة ومروحية محلياً، وهو ما يعكس اهتماماً متزايداً بتطوير القدرات الوطنية في هذا المجال، دون أن يعني ذلك أن مشاريع إنتاج المحركات أو الصواريخ المذكورة دخلت بالفعل مرحلة التصنيع.
وتبرز مجموعة «كال جروب» التركية ضمن الشركات التي تمتلك خبرة في تطوير محركات نفاثة صغيرة مخصصة لتطبيقات الصواريخ والمسيّرات، وتضم محفظتها عدداً من المحركات المرتبطة بمنظومات عسكرية تركية، من بينها «KTJ-3200» و«KTJ-1750» و«KTJ-3700»، وهي نماذج تتيح التعرف على طبيعة التكنولوجيا التي يمكن أن تشكل محوراً للتعاون الصناعي المحتمل مع المغرب.
ويستخدم محرك «KTJ-3200» في صاروخ «SOM» الجوال، الذي تطوره الصناعات الدفاعية التركية، ويبلغ مداه المعلن نحو 250 كيلومتراً، كما يرتبط بصاروخ «Atmaca» المضاد للسفن، الذي يعتمد بدوره على المحرك نفسه وفق المعطيات الواردة في المادة المصدرية. ويُعد هذا النوع من المحركات من المكونات المهمة في منظومات الصواريخ التي تعتمد على الدفع النفاث خلال التحليق.
وفي السياق ذاته، يرتبط محرك «KTJ-1750» بصاروخ «Çakır» التركي، الذي يصل مداه المعلن إلى نحو 150 كيلومتراً، بينما يمثل محرك «KTJ-3700» أحد المكونات المستخدمة في صاروخ «Kara Atmaca»، المخصص لضرب الأهداف الأرضية، والذي يرد مداه الأقصى في المعطيات المقدمة بنحو 400 كيلومتر.
وتعكس هذه النماذج تنوع التطبيقات التي تستهدفها الشركة التركية، من الصواريخ المضادة للسفن إلى الصواريخ الجوالة الموجهة نحو الأهداف البرية، وهو ما يفسر الاهتمام بإمكانات التعاون معها في إطار البحث عن شركاء يمتلكون خبرة في تصنيع المحركات الصغيرة والمتوسطة المخصصة للأنظمة الجوية والدفاعية.
ومن شأن نقل الخبرات الصناعية في هذا المجال، إذا جرى الاتفاق عليه وتحديد شروطه التقنية والتجارية، أن يفتح أمام المغرب إمكانية تطوير قدراته في تصنيع بعض المكونات الأساسية للمحركات، وتعزيز مشاركة الموردين المحليين في مراحل الإنتاج، فضلاً عن تكوين كفاءات وطنية قادرة على مواكبة متطلبات هذه الصناعة.
وتتصل أهمية هذا المسار أيضاً بالتحديات التي تواجه الدول الراغبة في تطوير منظومات صاروخية مستقلة، إذ تخضع صادرات الصواريخ والتكنولوجيا المرتبطة بها لأطر وضوابط دولية، من بينها نظام مراقبة تكنولوجيا الصواريخ، الذي يتضمن قيوداً خاصة على نقل بعض الأنظمة والتقنيات، ولا سيما الصواريخ القادرة على حمل أسلحة دمار شامل والتي يتجاوز مداها 300 كيلومتر. غير أن هذه الضوابط لا تعني حظراً عاماً على جميع الصواريخ التي تتجاوز هذا المدى، بل ترتبط بطبيعة المنظومة وقدراتها وشروط تصديرها.
وفي موازاة ذلك، يبرز تطوير صناعة المحركات باعتباره أحد المسارات التي يمكن أن تساعد المغرب على تقليص اعتماده على الاستيراد في بعض المكونات الحيوية، وتوفير قاعدة تقنية تدعم مشاريع الطيران المدني والعسكري، إلى جانب تطوير قدرات الصيانة والتحديث والإنتاج المحلي.
كما يندرج هذا التوجه ضمن مساعٍ أوسع لاستقطاب الاستثمارات والشركات الأجنبية المتخصصة، والاستفادة من خبراتها في تطوير منظومات صناعية متكاملة، بدل الاقتصار على اقتناء المعدات والأنظمة الجاهزة. ويظل نجاح هذه المقاربة مرتبطاً بمدى انتقال المباحثات إلى اتفاقيات واضحة تحدد حجم الاستثمار، وطبيعة التكنولوجيا المنقولة، ونسبة الإدماج المحلي، والجدول الزمني للتنفيذ.
ورغم أهمية المباحثات التي جرت على هامش معرض مراكش الدولي للطيران، فإن المعطيات المتاحة لا تشير إلى توقيع اتفاق نهائي مع مجموعة «كال جروب» لتصنيع محركاتها داخل المغرب، كما لا تثبت وجود تعاقد مغربي مؤكد على صواريخ «SOM» أو غيرها من المنظومات التركية المذكورة. ولذلك تظل إمكانية استفادة المشاريع الدفاعية المغربية من هذه التكنولوجيا مرتبطة بنتائج المفاوضات وما قد يسفر عنه التعاون مستقبلاً.
وبين استقطاب الخبرة التركية والانفتاح على شراكات صناعية أخرى، يتجه المغرب إلى توسيع النقاش حول توطين صناعة المحركات باعتبارها حلقة محورية في بناء قدرات وطنية بمجال الطيران والدفاع، في انتظار ترجمة هذه التوجهات إلى مشاريع إنتاج فعلية واتفاقيات تحدد بدقة مستوى التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك