أنتلجنسيا:أبو فراس
في خطوة تثير أسئلة عميقة حول حسابات الرباط الاستراتيجية، كشفت تقارير متقاطعة عن انخراط المغرب في دعم منظومات الدفاع الجوي لدول خليجية تحت ضغط الهجمات الإيرانية المتصاعدة، في وقت تشهد فيه المنطقة واحدة من أخطر موجات التصعيد العسكري خلال السنوات الأخيرة. هذا التحرك، الذي يبدو في ظاهره تعاوناً تقنياً وعسكرياً، يفتح في العمق باباً واسعاً أمام مخاطر قد تتجاوز بكثير حدود الدعم الظرفي.
المعطيات تشير إلى أن دولاً خليجية، من بينها السعودية والإمارات والكويت، لجأت إلى شركاء إقليميين مثل المغرب ومصر لتعزيز قدراتها الدفاعية، ليس فقط عبر المعدات، بل أيضاً عبر الكفاءات البشرية والخبرات العملياتية. وفي هذا السياق، يُقال إن الرباط قدمت دعماً استخباراتياً وأرسلت عناصر عسكرية للمشاركة في تشغيل أنظمة الدفاع الجوي، خصوصاً تلك المرتبطة بمنظومة “باتريوت”، التي يمتلك المغرب خبرة في تشغيلها.
غير أن هذا الانخراط، مهما تم تبريره بشعارات “التعاون العربي” أو “تقاسم الخبرات”، يضع المغرب عملياً داخل معادلة صراع إقليمي شديد التعقيد، حيث لم يعد الأمر يتعلق بدعم تقني محدود، بل بالمساهمة غير المباشرة في إدارة معركة دفاعية ضد تهديدات إيرانية متطورة تشمل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة.
المشكلة لا تكمن فقط في طبيعة المهمة، بل في توقيتها وسياقها الجيوسياسي، إذ يأتي هذا التحرك في ظل تصعيد غير مسبوق بين إيران من جهة، وتحالف تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ما يجعل أي تدخل—even وإن كان محدوداً—قابلاً للتأويل كاصطفاف سياسي وعسكري واضح، قد يضع المغرب في مرمى ردود فعل غير محسوبة.
الأخطر من ذلك أن الانخراط في مثل هذه العمليات قد يستنزف موارد بشرية وتقنية تحتاجها الرباط داخلياً، خاصة في ظل بيئة إقليمية غير مستقرة في شمال إفريقيا والساحل، حيث تواجه المملكة تحديات أمنية متزايدة. فالدفاع الجوي الحديث لا يعتمد فقط على المعدات، بل على أطقم مدربة قادرة على العمل تحت ضغط دائم، وهو ما يجعل نقل هذه الكفاءات إلى مسارح خارجية مخاطرة مزدوجة.
كما أن الرهان على التوافق التقني مع الأنظمة الغربية، مثل “باتريوت” و”ثاد”، لا يلغي حقيقة أن الحروب الحديثة أثبتت محدودية أي منظومة دفاعية أمام هجمات متعددة الطبقات، وهو ما ظهر بوضوح في تجارب سابقة بالخليج. وبالتالي، فإن الزج بالكفاءات المغربية في هذا السياق لا يضمن نتائج حاسمة، لكنه يرفع منسوب المخاطر السياسية.
في المقابل، يعكس هذا التوجه أيضاً تحوّلاً في طبيعة الدور الذي يسعى المغرب للعبه إقليمياً، من فاعل متوازن إلى شريك أمني مباشر في بؤر التوتر، وهو تحول قد يحقق مكاسب ظرفية على مستوى العلاقات الدولية، لكنه يحمل في طياته كلفة استراتيجية طويلة الأمد، سواء على مستوى الاستقلالية الدبلوماسية أو الأمن القومي.
وبين من يرى في هذه الخطوة تعبيراً عن شراكات متقدمة، ومن يحذر من تداعياتها، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يملك المغرب ترف الانخراط في صراعات بعيدة جغرافياً ومعقدة سياسياً، أم أنه يغامر بوضع نفسه في قلب لعبة إقليمية قد لا يتحكم في مساراتها؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك