أنتلجنسيا:أبو آلاء
في خضم عاصفة إقليمية متسارعة وتصاعد غير مسبوق للتوترات، خرج اللواء المتقاعد سمير فرج ليضع النقاط على الحروف بشأن موقع مصر من الحرب الدائرة، كاشفاً عن توازن دقيق بين الاستعداد العسكري والحذر الاستراتيجي، في لحظة تتقاطع فيها الضغوط الشعبية مع رهانات الأمن القومي العربي.
التصريحات جاءت في سياق جدل محتدم على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تصاعدت التساؤلات حول مدى التزام القاهرة بعقيدتها التقليدية المعروفة بـ”مسافة السكة”، والتي ارتبطت تاريخياً بتدخلها لدعم الدول العربية في أوقات الأزمات، خصوصاً في ظل التهديدات التي تلقي بظلالها على منطقة الخليج، وسط مخاوف من اتساع رقعة المواجهة.
غير أن القراءة التي قدمها فرج تعيد تعريف هذا المفهوم بعيداً عن التبسيط، مؤكداً أن مصر لم تكن يوماً غائبة عن معارك العرب، مستحضراً محطات مفصلية من تاريخها العسكري، من حرب 1948 إلى مشاركتها الحاسمة في تحرير الكويت، في رسالة واضحة مفادها أن الالتزام المصري ليس محل شك، لكن آلياته تخضع لحسابات دقيقة تتجاوز منطق الشعارات.
وفي قلب هذا النقاش، يبرز اسم عبد الفتاح السيسي، الذي شدد مراراً على جاهزية بلاده لتقديم الدعم الكامل إذا طُلب منها ذلك رسمياً، وهو ما يعكس، بحسب القراءة العسكرية، استعداداً قائماً لا يتحول بالضرورة إلى تدخل مباشر، بل يتدرج وفق طبيعة التهديد وحاجات الحلفاء.
الطرح المصري، كما يظهر من هذه التصريحات، لا يختزل الدعم في إرسال الجيوش، بل يوسعه ليشمل منظومة متكاملة من الإسناد، تمتد من التسليح والذخيرة إلى المعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي، وهو ما يعكس تحولاً في العقيدة العسكرية نحو أدوات أكثر مرونة وأقل كلفة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
وفي خلفية هذا المشهد، يطفو مجدداً مشروع القوة العربية المشتركة، الذي طُرح قبل سنوات داخل جامعة الدول العربية، كفكرة لم ترَ النور بسبب تباين المواقف العربية، ما يسلط الضوء على أحد أعمق أوجه الخلل في النظام الإقليمي، حيث تستمر التهديدات في التصاعد مقابل غياب آلية جماعية فعالة للردع.
دبلوماسياً، تؤكد المؤشرات أن القاهرة تتحرك على أكثر من جبهة لاحتواء الأزمة، مستفيدة من شبكة علاقاتها الإقليمية وقنواتها المفتوحة مع مختلف الأطراف، وهو ما يضعها في موقع مرشح للعب دور محوري في أي مسار تفاوضي محتمل بين إيران والولايات المتحدة، خاصة في ظل خبرتها الطويلة في إدارة الأزمات المعقدة.
ورغم هذا الانخراط، يظل الموقف المصري محكوماً بسقف واضح: تجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة، دون التفريط في الالتزامات تجاه الأمن العربي. وهي معادلة صعبة تعكس إدراكاً عميقاً لكلفة الحروب الحديثة، التي لم تعد تُقاس فقط بالميدان، بل بتداعياتها الاقتصادية والسياسية الممتدة.
في المقابل، لم تغب القراءة النقدية لأسباب التصعيد، حيث تم تحميل إيران جزءاً كبيراً من مسؤولية توسيع دائرة التوتر عبر استهدافها لدول الخليج، ما يهدد بإعادة تشكيل العلاقات العربية-الإيرانية على أسس أكثر توتراً، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقطاب الحاد في المنطقة.
أما في التقدير الاستراتيجي، فتشير المعطيات إلى أن الحرب، رغم حدتها، قد لا تكون طويلة الأمد، في ظل الضغوط السياسية والاقتصادية التي تواجهها واشنطن، خاصة مع ارتفاع كلفة العمليات العسكرية وتعقيدات المشهد الدولي، حيث تستفيد قوى أخرى من استمرار النزاع، وعلى رأسها روسيا عبر مكاسب مرتبطة بأسواق الطاقة.
في المحصلة، يكشف الموقف المصري عن براغماتية عالية تحاول التوفيق بين الجاهزية والتريث، وبين الالتزام والحسابات، في منطقة تقف على حافة انفجار واسع، حيث لا مجال للقرارات الارتجالية، ولا مكان للمغامرات غير المحسوبة، في معركة تتجاوز حدود الجغرافيا لتلامس توازنات القوة في العالم بأسره.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك