سباق الغواصات في إفريقيا..ردع صامت تحت الماء يفضح هشاشة موازين القوة فوق السطح

سباق الغواصات في إفريقيا..ردع صامت تحت الماء يفضح هشاشة موازين القوة فوق السطح
شؤون أمنية وعسكرية / الأربعاء 25 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:ياسر اروين

بعيدًا عن ضجيج استعراض الدبابات والطائرات، تخوض دول إفريقية معركة نفوذ هادئة في الأعماق، حيث تتحول الغواصات إلى ورقة ردع استراتيجية تعيد رسم خرائط السيطرة البحرية في محيط إقليمي مضطرب. فالقارة التي لا تنافس القوى العسكرية الكبرى عددًا ولا تسليحًا، اختارت الاستثمار في السلاح الأكثر غموضًا وتأثيرًا: القوة تحت السطح.

على المستوى الدولي، تواصل كل من روسيا والولايات المتحدة تصدر المشهد بـ66 غواصة لكل منهما، بينما تلاحقهما الصين بـ61 غواصة، وفق تصنيف موقع Global Firepower السنوي. هذا التكدس العددي يعكس إدراكًا عالميًا بأن السيطرة البحرية لم تعد رهينة حاملات الطائرات وحدها، بل ترتبط بقدرة الدول على الاختفاء والمباغتة وضرب الأهداف الحيوية دون إنذار.

إفريقيًا، تتقدم مصر المشهد بثماني غواصات، محتلة المرتبة 13 عالميًا بعد أن تقدمت درجة واحدة مقارنة بالعام الماضي، دون أن يرتبط ذلك بإضافة قطع جديدة بقدر ما يعكس تحولات في ترتيب قوى أخرى. القاهرة تراهن على أسطول متنوع يجمع بين أربع غواصات ألمانية حديثة من طراز “تايب 209/1400” تعمل بالديزل والكهرباء، وأربع غواصات صينية من فئة “روميو” خضعت لتحديثات غربية عميقة شملت أنظمة الاستشعار وإدارة النيران والتسليح. هذا الخليط يمنحها قدرة على فرض معادلة ردع في البحرين المتوسط والأحمر، وتأمين قناة السويس والممرات المرتبطة بها، ضمن عقيدة ترتكز على منع الوصول البحري وتعزيز الاستطلاع والضرب الدقيق.

خلفها مباشرة، تتموضع الجزائر بست غواصات تضعها في المرتبة 16 عالميًا، معتمدة على عماد روسي يتمثل في غواصات “كيلو”، خاصة النسخة المحسنة من مشروع 636 “فارشافيانكا”، إلى جانب وحدات أقدم خضعت لتحديثات واسعة. تسليح هذه الغواصات بطوربيدات وصواريخ “كاليبر” الجوالة يمنح الجزائر قدرة هجومية تتجاوز الدفاع الساحلي إلى فرض توازن ردعي في غرب المتوسط، حيث تتقاطع رهانات الطاقة والأمن البحري. الاستثمار الجزائري في هذا المجال لا ينفصل عن حماية المنشآت الغازية البحرية وخلق مظلة ردع صامتة في وجه أي اختراق محتمل.

أما جنوب أفريقيا، فتمتلك ثلاث غواصات من فئة “هيروين” الألمانية الصنع، ما يضعها في المرتبة 34 عالميًا. ورغم أن تحديات الصيانة والتمويل أبقت غواصة واحدة فقط في الخدمة الفعلية، فإن هذه القوة المحدودة تظل عنصرًا استراتيجيًا في مراقبة الممرات الحيوية حول رأس الرجاء الصالح، أحد أهم شرايين التجارة العالمية. هنا يتجلى التناقض الإفريقي بوضوح: طموح تكنولوجي متقدم تصطدم به قيود الميزانيات والجاهزية اللوجستية.

القراءة التحليلية تكشف أن الغواصات بالنسبة لهذه الدول ليست ترفًا عسكريًا، بل أداة لتعويض فجوة التفوق الجوي أو البحري السطحي. إنها وسيلة لخلق توازن غير متماثل في بيئات إقليمية مشحونة، سواء في المتوسط أو الأطلسي أو البحر الأحمر. كما تعكس هذه الاستثمارات إدراكًا متزايدًا بأن الصراع على الممرات البحرية وموارد الطاقة لن يُحسم فقط عبر التحالفات، بل بامتلاك قدرة ردع ذاتية قادرة على العمل في الظل.

غير أن هذا السباق يطرح أسئلة صريحة: هل تملك هذه الدول بنية صناعية وصيانة مستدامة تضمن جاهزية طويلة الأمد؟ وهل يكفي امتلاك المنصات دون تكامل استخباراتي وتكنولوجي عميق؟ الواقع أن الردع البحري لا يُقاس بعدد الغواصات فحسب، بل بمدى قدرتها على العمل المتواصل، وتحديث أنظمتها، ودمجها ضمن عقيدة عملياتية واضحة.

في المحصلة، تبدو إفريقيا وكأنها تبني توازنًا بحريًا جديدًا بعيدًا عن الأضواء، حيث تتحول الأعماق إلى ساحة نفوذ موازية للبر والجو. إنه سباق صامت، لكنه يحمل في طياته رهانات كبرى على الأمن والسيادة والقدرة على فرض الكلمة في زمن تتغير فيه قواعد القوة بسرعة غير مسبوقة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك