أنتلجنسيا:عبد الله البارودي
لم يعد التفوق العسكري في القارة الإفريقية يقاس بعدد الجنود أو حجم الترسانة البرية فقط، بل أصبح الحسم معقوداً بمن يسيطر على السماء أولاً.
فالقوة الجوية تحولت إلى العمود الفقري لأي استراتيجية دفاعية حديثة، خاصة في قارة مترامية الأطراف، تتشابك فيها الحدود وتتعقد فيها التهديدات من الإرهاب العابر للحدود إلى النزاعات الإقليمية والهشاشة السياسية.
ووفق تصنيف Global Firepower لسنة 2026، تتصدر مصر والجزائر وأنغولا مشهد القوى الجوية الإفريقية، في سباق يعكس تحولات عميقة في ميزان الردع داخل القارة.
تأتي مصر في الصدارة بأسطول ضخم يبلغ 1088 طائرة، ما يضعها ضمن العشر الأوائل عالمياً. هذا الرقم ليس مجرد معطى إحصائي، بل نتيجة عقود من الاستثمار المتواصل وبناء شراكات دفاعية متعددة الاتجاهات. تمتلك القاهرة مزيجاً من المقاتلات الغربية والشرقية، بينها إف-16 ورافال وميغ-29، إلى جانب مروحيات هجومية وطائرات نقل ومنصات دعم، مستفيدة من موقع جغرافي استراتيجي يربط شمال إفريقيا بالشرق الأوسط ويشرف على البحر الأحمر. السيطرة الجوية بالنسبة لمصر ليست خياراً، بل ركيزة أساسية لحماية المجال الحيوي وتأمين المصالح الإقليمية.
في المرتبة الثانية، تبرز الجزائر بـ620 طائرة، مع تركيز واضح على المنظومات الروسية المتطورة. تعتمد الجزائر على مقاتلات سوخوي وميغ، إضافة إلى أنظمة دفاع جوي بعيدة المدى، في إطار عقيدة دفاعية ترتكز على تأمين حدود شاسعة تمتد عبر الساحل والصحراء. في سياق إقليمي متوتر جنوباً وشرقاً، تبدو القوة الجوية الجزائرية أداة توازن وردع، خصوصاً في ظل التحديات المرتبطة بليبيا ومالي والنيجر.
أما أنغولا، التي تحتل المرتبة الثالثة بـ278 طائرة، فتعكس تجربتها كيف يمكن لإرث الحرب الباردة أن يستمر في تشكيل القدرات العسكرية الحالية. جزء كبير من أسطولها يعود إلى صفقات قديمة مع موسكو وحلفائها، لكنه ما يزال يشكل قاعدة صلبة لحماية المجال الوطني وضبط الأمن الداخلي بعد عقود من الحرب الأهلية.
في المركز الرابع يحل المغرب بـ271 طائرة، مع تركيز لافت على التحديث النوعي بدل الاكتفاء بالعدد. يعتمد المغرب على شراكات دفاعية وثيقة مع الولايات المتحدة وأوروبا، ويشغل مقاتلات إف-16 ومنصات مراقبة متطورة، ما يمنحه قدرة على الاستجابة السريعة ومراقبة المجال الجوي والبحري. المقاربة المغربية تميل إلى الجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والجاهزية العملياتية، في بيئة إقليمية تعرف تنافساً متصاعداً على معادلات الردع.
تلي ذلك السودان بـ183 طائرة، غير أن التحديات السياسية والنزاعات المستمرة أثرت على الجاهزية الفعلية للأسطول، رغم اعتماده على مصادر روسية وصينية. وفي المرتبة السادسة، تحضر جنوب إفريقيا بـ181 طائرة، مع تقليد عسكري صناعي عريق ومشاركة مستمرة في عمليات حفظ السلام الإقليمية والدولية.
بدورها، تمتلك نيجيريا 159 طائرة، وظفتها بشكل مكثف في مواجهة التهديدات المسلحة الداخلية، خاصة في شمال البلاد. ويعكس تنوع مصادر تسليحها رغبة في بناء قدرة مرنة قادرة على التدخل السريع في بيئة أمنية معقدة. أما تونس، التي تحتل المرتبة الثامنة بـ155 طائرة، فتركز على أمن الحدود ومكافحة الإرهاب، مستفيدة من تعاون وثيق مع شركاء غربيين في التدريب والدعم اللوجستي.
في شرق القارة، تبرز كينيا بـ154 طائرة، حيث تلعب القوة الجوية دوراً محورياً في العمليات ضد الجماعات المسلحة في الصومال وفي تأمين الساحل المطل على المحيط الهندي. وتختتم إثيوبيا القائمة بـ104 طائرات، مستندة إلى خبرة تراكمت عبر عقود من النزاعات الإقليمية في القرن الإفريقي.
القراءة التحليلية لهذه الأرقام تكشف أن سباق التسلح الجوي في إفريقيا لم يعد ترفاً عسكرياً، بل خياراً استراتيجياً تفرضه الجغرافيا والتحديات الأمنية. غير أن التفوق العددي لا يعني دائماً تفوقاً عملياتياً، إذ تظل عوامل الصيانة والتدريب والتكنولوجيا والجاهزية هي الفيصل الحقيقي في أي مواجهة محتملة. وبين من يسعى إلى تثبيت هيمنته الإقليمية ومن يعمل على تحصين حدوده، تظل سماء إفريقيا مسرحاً مفتوحاً لمعادلات ردع تتغير بسرعة، في قارة لم تعد هامشاً في حسابات القوة العالمية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك