أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
تحولت عملية أمنية اعتيادية، زوال السبت 21 فبراير الجاري، إلى صدمة مدوية داخل الجهاز الأمني، بعدما باشرت المصلحة الولائية للشرطة القضائية بأكادير بحثاً قضائياً تحت إشراف النيابة العامة المختصة، لتفكيك ملابسات تورط مقدم شرطة يزاول مهامه بمدينة شفشاون، جرى توقيفه في حالة تلبس بحيازة كمية كبيرة من مخدر الشيرا.
المعطيات الأولية تشير إلى أن عناصر الأمن بأكادير أوقفت المعني بالأمر بالمنطقة القروية أمسكروض، في تدخل أمني تم بتنسيق مع مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، ما يعكس حساسية الملف منذ لحظاته الأولى. عملية التفتيش أسفرت عن ضبط 22 كيلوغراماً من مخدر الشيرا كانت على متن سيارة خفيفة، إضافة إلى جرعات من الكوكايين، وهي معطيات تنقل القضية من مجرد شبهة إلى واقعة ثقيلة الأبعاد.
الشرطي الموقوف وُضع رهن البحث القضائي بأمر من النيابة العامة، في مسعى لكشف كل الخيوط المرتبطة بالقضية، سواء ما يتعلق بظروف الحيازة والنقل، أو بالامتدادات المحتملة لنشاط إجرامي مفترض قد لا يكون معزولاً. فالرهان هنا لا يقف عند حدود شخص واحد، بل يمتد إلى ما إذا كانت الواقعة فردية أم تكشف عن ثغرات أعمق في منظومة الرقابة.
إدارياً، تنتظر المديرية العامة للأمن الوطني مآل المسطرة القضائية قبل تفعيل الجزاءات التأديبية المنصوص عليها في النظام الأساسي لموظفي الأمن الوطني، في مسار يعكس حرص المؤسسة على الفصل بين الشقين القضائي والإداري. غير أن الرأي العام لا ينتظر فقط العقوبات، بل ينتظر رسالة واضحة مفادها أن القانون يسري داخل الجهاز كما يسري خارجه.
تحليلياً، تضع هذه القضية شعار “ربط المسؤولية بالمحاسبة” تحت مجهر حقيقي. فحين يتعلق الأمر بموظف مكلف بإنفاذ القانون، فإن أي انحراف مفترض يتحول إلى اختبار لمصداقية الدولة ذاتها. المفارقة الصادمة تكمن في أن من يُفترض فيه محاربة شبكات الاتجار في المخدرات، يجد نفسه متهماً بحيازة كمية وازنة منها، وهو ما يفرض أسئلة حارقة حول آليات الانتقاء والمراقبة الداخلية، وحدود الردع الوقائي داخل الأجهزة الحساسة.
القضية تأتي أيضاً في سياق تعلن فيه المصالح الأمنية تشديد الرقابة على سلوكيات موظفيها، وتفعيل آليات الزجر ضد أي انحراف. غير أن الراديكالية الحقيقية في التعاطي مع مثل هذه الملفات لا تكمن فقط في توقيف المشتبه فيه، بل في الذهاب بعيداً في تفكيك الشبكات المحتملة، ومصارحة الرأي العام بنتائج التحقيق، وتحصين المؤسسة من الداخل بآليات شفافة لا تكتفي برد الفعل بل تؤسس لثقافة مساءلة مستدامة.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بواقعة جنائية معزولة فحسب، بل بلحظة اختبار دقيقة: إما أن تتحول إلى نموذج على صرامة المحاسبة داخل مؤسسات الدولة، أو تبقى مجرد خبر عابر في سجل طويل من التحديات التي تواجه معركة الثقة بين المواطن والجهاز المكلف بحمايته.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك