أنتلجنسيا:عبد الله البارودي
في خطوة تحمل أبعاداً صناعية واستراتيجية عميقة، باشرت شركة أطلس ديفانس، المرتبطة بأنشطة الشركة التركية Baykar، فتح باب التوظيف التقني بمدينة بنسليمان، في مؤشر عملي على انتقال التعاون المغربي–التركي في مجال الطائرات بدون طيار من مرحلة الاقتناء إلى أفق التموقع الصناعي. الإعلانات الصادرة في فبراير 2026 تكشف عن طلب تقنيين متخصصين في الميكانيك والإلكترونيات والهياكل والطلاء الجوي، إضافة إلى طيار اختبار للطائرات المسيرة، بعقود دائمة تستهدف كفاءات متمرسة في مجال الطيران والصيانة الجوية.
المهام المحددة في عروض العمل تتركز على الصيانة والإصلاح والتشخيص وأنشطة MRO الخاصة بالأنظمة الجوية غير المأهولة، مع التأكيد على توثيق العمليات واحترام معايير السلامة والجودة، ما يوحي بأن المرحلة الأولى ستنصب على الدعم التقني والتشغيل قبل اتضاح ما إذا كان المغرب سيتحول إلى منصة تصنيع كاملة أو مركز تجميع وصيانة إقليمي. غير أن مجرد إطلاق هذه المناصب يعكس انتقال المشروع من خانة التصريحات إلى واقع ميداني.
شركة أطلس ديفانس كانت قد سجلت وجودها القانوني بالمغرب في ديسمبر 2024، قبل تثبيت نشاطها رسمياً في النشرة القانونية مطلع 2025، مع تحديد نطاق يشمل التصميم والتصنيع والصيانة والخدمات التكنولوجية المرتبطة بالقطاع الدفاعي. اختيار بنسليمان لم يكن اعتباطياً، إذ تراهن الرباط على تطوير منظومة صناعية مرتبطة بالأنظمة غير المأهولة، مستفيدة من موقع المنطقة وقربها من منشآت جوية وبنيات تحتية صناعية، في إطار رؤية أوسع لتعزيز السيادة الدفاعية وتقليص الارتهان الخارجي.
هذه الخطوة تأتي في سياق توسع خارجي تقوده Baykar مدفوعة بأرقام قياسية في الصادرات، بعدما أعلنت تسجيل عائدات خارجية بلغت 2.2 مليار دولار خلال 2025، مع اعتماد يقارب 88 في المائة من مداخيلها على الأسواق الدولية. رئيس مجلس إدارة الشركة، سلجوق بيرقدار، كان قد لمح إلى أن سنة 2026 ستكون سنة “الإنتاج المكثف”، في إشارة إلى رفع وتيرة التصنيع وتوسيع القاعدة الصناعية لمواكبة الطلب العالمي المتصاعد على الطائرات غير المأهولة.
وتعمل الشركة التركية على تسريع تطوير منصات متقدمة مثل TB3 وAkıncı، إلى جانب إدخال الطائرة القتالية غير المأهولة Kızılelma إلى الخدمة خلال 2026، فضلاً عن الاستثمار في تقنيات الأسراب المدعومة بالذكاء الاصطناعي. هذه المشاريع تتطلب شبكة إنتاج مرنة متعددة المواقع، بدل الاكتفاء بخطوط التصنيع داخل تركيا، وهو ما يفسر توجهها نحو شراكات صناعية خارجية، من بينها المغرب.
تحليلياً، يعكس دخول أطلس ديفانس إلى بنسليمان تحولاً في مقاربة المغرب للقطاع الدفاعي، من مستورد تقليدي للتجهيزات إلى فاعل يسعى لامتلاك حلقات من سلسلة القيمة الصناعية، ولو في بداياتها التقنية. كما يضع البلاد ضمن خريطة المنافسة الإقليمية على استقطاب الاستثمارات المرتبطة بالصناعات العسكرية عالية التكنولوجيا، في ظل سباق عالمي محتدم على سوق الطائرات المسيرة.
غير أن هذا التحول يطرح في المقابل أسئلة تتعلق بطبيعة نقل التكنولوجيا، وحجم التصنيع المحلي الفعلي، ومدى اندماج الكفاءات المغربية في البحث والتطوير وليس فقط في الصيانة والدعم التقني. وبين طموح بناء قاعدة صناعية دفاعية وطنية، وحسابات الشراكات الدولية وشروطها، تبدو بنسليمان اليوم على موعد مع اختبار حقيقي: هل تتحول إلى قطب إنتاج إقليمي للطائرات المسيرة، أم تظل محطة تقنية ضمن شبكة صناعية عابرة للحدود تقودها أنقرة؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك