أنتلجنسيا:إدارة النشر
مرة أخرى، سقط جزء من الإعلام الأصفر وبعض الأصوات النشاز في فخ التهليل الأجوف، عقب الإعلان عن زيارة وفد من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) إلى المغرب، في حملة دعائية مكشوفة حاولت تصوير الحدث كـ“اعتراف دولي” بكفاءة الأجهزة الأمنية والمخابراتية، دون أدنى فهم لطبيعة النظام الحاكم أو منطق العلاقات الأمنية بين الدول.
زيارة تقنية لا شهادة حسن سلوك
ما جرى تسويقه كإنجاز سيادي، لا يعدو أن يكون، في جوهره، زيارة تقنية تدخل ضمن التعاون الأمني الروتيني الذي تحكمه مصالح متبادلة وحسابات جيوسياسية دقيقة، لا علاقة لها بمنح صكوك البراءة أو شهادات التفوق.
غير أن أبواق التطبيل اختارت القفز على هذا المعطى، وتقديم الزيارة كدليل قاطع على “احترافية” أجهزة طالما وُجّهت إليها انتقادات حقوقية وقانونية داخلية وخارجية.
تجميل القمع باسم الشراكة الدولية
الأخطر في هذا الخطاب ليس الجهل بطبيعة التعاون الأمني، بل محاولة استغلال اسم مؤسسة أمريكية ثقيلة مثل FBI لتبييض صورة منظومة أمنية متهمة بالتضييق على الصحافة، وملاحقة المعارضين، وتوظيف القضاء في تصفية الأصوات المزعجة، في تناقض صارخ مع أبسط معايير دولة الحق والقانون.
أصوات لا تفرّق بين الدولة والنظام
يعكس هذا التهليل المفرط ارتباكا سياسيا عميقا لدى بعض المعلّقين الذين يخلطون بين الدولة كنظام مؤسساتي يخضع للمساءلة، وبين الأجهزة الأمنية كأدوات سلطة، ويحوّلون أي تواصل دولي إلى مناسبة لتمجيد غير مشروط، بدل مساءلته وربطه بسجل الحقوق والحريات.
الأمن لا يُقاس بالزيارات بل بالمحاسبة
في الدول الديمقراطية، لا تُقاس فعالية الأجهزة الأمنية بعدد الوفود الزائرة أو الصور التذكارية، بل بمدى خضوعها للرقابة البرلمانية والقضائية، واحترامها لحقوق المواطنين.
أما تحويل زيارة FBI إلى مادة للاستهلاك الدعائي، فليس سوى محاولة يائسة لصرف الانتباه عن أزمات داخلية أعمق، وفشل واضح في بناء ثقة حقيقية بين المواطن ومؤسسات الأمن.
إعلام بلا بوصلة وخطاب يخدم السلطة
ما وقع يكشف، مرة أخرى، أزمة جزء من الإعلام المغربي الذي تخلى عن دوره النقدي، واختار الاصطفاف الأعمى خلف السلطة، مروّجا لخطاب يخدم التجميل بدل الحقيقة، ويشتغل بمنطق البلاغ الأمني لا بمنطق الصحافة المستقلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك