رمضان مدرسة الروح وفرصة العمر لمراجعة النفس قبل فوات الأوان

رمضان مدرسة الروح وفرصة العمر لمراجعة النفس قبل فوات الأوان
دين / الجمعة 27 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب:هيئة التحرير

يأتي شهر رمضان كل عام حاملا معه نفحة إيمانية خاصة تلامس القلوب قبل الأجساد، فهو ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل موسم استثنائي لإعادة ترتيب العلاقة مع الله، وفرصة حقيقية لتطهير النفس من أدران العام كله، حيث تتجدد النية ويتجدد الأمل في بداية مختلفة عنوانها الصدق مع الله.

الصيام في جوهره عبادة سرية بين العبد وربه، لا يطلع عليها أحد، ولذلك كان ميدانًا خالصًا للإخلاص، إذ يتعلم الإنسان فيه ضبط الشهوات وكبح الرغبات والسيطرة على الانفعال، فيتحول الجوع إلى تربية، والعطش إلى تهذيب، والصمت إلى حكمة، وكأن رمضان يعيد تشكيل الشخصية من الداخل بهدوء عميق.

وفي هذا الشهر المبارك يتضاعف الإقبال على القرآن الكريم، تلاوةً وتدبرًا، فهو شهر نزوله، وشهر العودة إلى معانيه الكبرى التي ترسم للإنسان طريق الاستقامة والعدل والرحمة، فلا يكون الهدف مجرد ختم الصفحات، بل فهم الرسالة والعمل بها في تفاصيل الحياة اليومية.

كما يشكل رمضان مناسبة لإحياء روح التكافل الاجتماعي، حيث تتجلى قيم الرحمة في الصدقات وإفطار الصائمين ومساعدة المحتاجين، فيشعر الغني بحاجة الفقير، ويذوق القادر معنى الحرمان ولو لساعات، فتتقارب القلوب وتتقلص الفوارق، ويستعيد المجتمع شيئًا من دفئه الإنساني.

ليالي رمضان بدورها محطة صفاء روحي، ففي القيام والدعاء والسجود الطويل لحظات انكسار صادق بين يدي الله، حيث تتساقط الهموم وتُرفع الأكف بطلب المغفرة والهداية، ويكتشف الإنسان أن أعظم الطمأنينة ليست في امتلاك الدنيا بل في القرب من خالقها.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في مظاهر العبادة الظاهرة، بل في أثرها بعد انتهاء الشهر، فالعبرة ليست بكثافة الطاعة في ثلاثين يومًا فقط، وإنما بمدى استمرارها بعد ذلك، لأن رمضان ليس محطة عابرة بل مدرسة يُفترض أن تترك أثرًا دائمًا في السلوك والأخلاق.

إنه شهر المراجعة الصادقة، شهر يمكن أن يغير مسار إنسان بالكامل إذا أحسن استثماره، فهو فرصة قد لا تتكرر، ونفحة قد لا تدوم، ومن أدرك معناه الحقيقي خرج منه بروح أنقى وقلب أقوى وعزيمة أقرب إلى الثبات على طريق الخير طوال العام.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك