بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي
ليس هناك شك
بأن الإدارات الأمريكية كلها، الجمهورية والديمقراطية، وكل مؤسساتها التنفيذية
والتشريعية والعسكرية والأمنية وغيرها، تقف إلى الكيان الصهيوني منذ تأسيسه وحتى
اليوم، وتتعامل معه على أنه جزءٌ أصيلٌ منها، وكأنه ولاية من ولاياتها الخمسين،
وقطعة أرضٍ من وطنها، فهي تؤيده وتسانده، وترعاه وتحفظه، وتحرص عليه وتخاف على
مصالحه، وتدافع عنه وتحميه، وتصد عنه وتقاتل من أجله، ولا تتردد أبداً في تقديم
مختلف أشكال الدعم المادي والعسكري والأمني والتكنولوجي وغيره، لتبقى إسرائيل
الدولة الأقوى عسكرياً في المنطقة، والأكثر نفوذاً وتأثيراً في رسم سياستها وتحديد
مساراتها، والأكثر تفوقاً في كل المجالات الاستراتيجية، كي تشعر بأنها آمنة وغير
مهددة، وقوية وغير مستضعفة، وحصينة وغير مستباحة، ومهابة فلا يتطاول عليها أحد أو
تتجرأ عليها دولة، أو يهدد أمنها تنظيمٌ عسكري أو تشكيلٌ أمني.
لكن إسرائيل
المدللة المرفهة لا يرضيها شيء، ولا يشبع نهمها عطاء، ولا تكتفي بما تأخذ وتنال،
ولا تكف عن السؤال، بل تتمادى أكثر وتطمع في المزيد، ولا تخجل أو تتردد في طلب
الجديد، فهي تريد من الولايات المتحدة الأمريكية أن تقدم لها أكثر، وأن تلبي
حاجاتها وأن تصغي إلى مطالبها، وأن تستجيب إلى مخاوفها، وأن تتفهم ظروفها، وهي
تعلم أن الإدارات الأمريكية ضعيفة أمامها، ولا تستطيع إلا أن تلبي طلباتها، بل وأن
تستجيب إلى شروطها وتنزل عند رغباتها، وسجلاتها تشهد على ذلك وتؤكده.
فهي تريد من
إدارة الرئيس ترامب أن يهاجم إيران، وأن يقصف منشآتها الأمنية، ومصانع ومنصات
صواريخها البالستية، وأن تمهد لإسقاط النظام واستبداله بآخر مسالم لها، لا يهدد
أمنها ولا يحمل شعارات زوالها، وهي ترفض لجوء الإدارة الأمريكية إلى خيار
المفاوضات، وتصر على عدمية هذا المسار وعدم جدواه، بل إنها تخشى نجاحه وتخاف من
ضياع الفرصة المتاحة لتوجيه ضرباتٍ عسكرية قوية لها، تجهض مشاريعها، وتدمر
مستودعاتها ومصانعها العسكرية، والتي من شأنها إضعاف النظام وسقوطه، وانقلاب الشعب
عليه وتخليه عنه.
وهي تريد من
الإدارة الأمريكية أن تستبعد تركيا وقطر من أي ترتيباتٍ مستقبلية للسلام في قطاع
غزة، وترفض مشاركتهما في قوة الاستقرار الدولية التي ينوي الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب الإعلان عنها، في الوقت الذي تطالبهما بالضغط على حماس والتشديد عليها،
والتضييق على قيادتها وعدم تقديم تسهيلاتٍ لها.
وتصر على
الإدارة الأمريكية ألا تمارس أي ضغوطٍ عليها لإجبارها على فتح معبر رفح الحدودي
بين مصر وقطاع غزة أو زيادة عدد العائدين إليه، بينما تطالب بالضغط على الحكومة المصرية
لفتح المعبر باتجاهٍ واحدٍ فقط، أو السماح بخروج من يشاء من سكان قطاع غزة، دون
تحديدٍ مسبقٍ للعدد المسموح له بالمغادرة، بما يحقق هدفها القديم بتهجير سكان قطاع
غزة، وإخراجهم منه بكل الوسائل الممكنة.
وترفض القبول
بزيادة عدد شاحنات المؤن والمساعدات الغذائية والوقود وغاز الطهي التي تدخل إلى
القطاع يومياً من الجانب المصري، في الوقت الذي تصر فيه على مواصلة حصولها على
الذخيرة والدعم العسكري الأمريكي، بينما ترفض الالتزام بالخطة التي طرحها الرئيس
الأمريكي شخصياً، وتطالبه بأن يسمح لها بحرية العمل العسكري في مناطق قطاع غزة،
رغم عدم وجود مخاطر تكتنف جيشه أو تعرض حياة جنوده للخطر.
وفي لبنان
تريد من الإدارة الأمريكية أن تطلق يدها بالعمل في الأراضي اللبنانية، وأن تمارس
القتل والتدمير وتهجير السكان، بينما تطالبها بالضغط على الحكومة اللبنانية للخضوع
للشروط الإسرائيلية والالتزام بها، في الوقت الذي لا تعطيها الفرصة لبسط سلطتها
وانتشار جيشها وتسهيل عودة سكانها، والمباشرة في أعمال الإعمار وإعادة البناء
واستعادة الحياة المدنية الطبيعية لسكان الجنوب اللبناني.
وتريد من
الإدارة الأمريكية تأييد المطالب الكردية "قسد" في شمال سوريا، ومنع
تركيا من تهديد وجودهم وشن الحرب عليهم، وعدم التخلي عنهم أو الضغط عليهم للقبول
بالشراكة والاندماج مع الحكومة المركزية السورية في دمشق، وتضغط على صناع القرار
الأمريكي للحفاظ على الجيب الكردي شمال سوريا، وتمكينه من فرض هويته وتأكيد
استقلاليته وبسط سلطته في المناطق التي يسيطر عليها.
كما تريد من
الرئيس الأمريكي العمل على شرذمة الدولة السورية وتمزيقها، وتسهيل تقسيمها
"فيدرالياً"، أو خلق كيانات قومية وطائفية أربعة فيها، كردية ودرزية
وعلوية إلى جانب الدولة العربية السنية التي مركزها العاصمة دمشق، على أن يصار إلى
اقتطاع أراضٍ منها لصالح الكيانات الثلاثة التي تتطلع لتشكيلها وتقديم الدعم
المادي والعسكري لها، وتذليل القبات السياسية أمام الاعتراف الدولي بها.
كثيرةٌ هي
المطالب الإسرائيلية من الإدارة الأمريكية التي تخضع لها وتستجيب، وتعدها عما قريب
بفرض السلام الإبراهيمي، وإشراكها في المنظومة السياسية للمنطقة، وتهيئة الأجواء
المناسبة لتكون ضمن النسيج الاجتماعي لسكان المنطقة، وتنقية المناهج التعليمية
والدينية مما يتعارض مع سياساتها، أو يؤسس لرفض وجودها والعمل على مقاومتها،
وللأسف فإن الإدارة الأمريكية تجد آذاناً عربية صاغية لها، وحكوماتٍ خاضعة لها،
وجاهزة لتنفيذ تعليماتها والالتزام بسياستها، والعمل معها لتأمين مستقبل الكيان
ومحاربة كل من يفكر بالمساس به، أو العمل على استعادة حقوقه منها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك