أنتلجنسيا:أبو جاسر
تستعد حكومة فاطمة الزهراء المنصوري لمواجهة إرث اجتماعي واقتصادي مثقل بالانتظارات، في ظل تصاعد المطالب بتحسين الخدمات العمومية وتعزيز القدرة الشرائية وتوفير فرص الشغل، وهي تحديات ستفرض على الفريق الحكومي المرتقب المفاضلة بين مواصلة الأوراش التي أطلقتها الحكومة السابقة وإعادة تقييم عدد من اختياراتها، بما يضمن نتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطنين.
وتترقب شرائح واسعة من المغاربة البرنامج الذي ستقدمه الأغلبية الحكومية الجديدة، باعتباره مؤشرا على طبيعة الأولويات التي ستحدد مسار الولاية المقبلة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على قطاعات حيوية، وفي مقدمتها التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والتشغيل.
وتضع منظومة التعليم الحكومة المقبلة أمام اختبار صعب، بالنظر إلى اتساع دائرة المطالب المهنية والاجتماعية المرتبطة بأوضاع العاملين في القطاع، إلى جانب انتظارات الأسر بشأن جودة التعلمات ومستوى المدرسة العمومية. وتنتظر الشغيلة التعليمية استكمال الالتزامات المتفق عليها مع الحكومة السابقة، خصوصا ما يرتبط بالتعويضات وتحسين المسارات المهنية وظروف العمل.
وتشمل الملفات المطروحة إقرار التعويضات التكميلية والتعويضات المرتبطة بالعمل في المناطق النائية، ومراجعة ساعات العمل، وتسوية وضعية الأساتذة المبرزين، فضلا عن بحث إمكانية مراجعة النظام الأساسي لموظفي القطاع. كما تبرز الحاجة إلى تسريع إدماج اللغة الأمازيغية في التعليم الابتدائي، مع توسيع تدريسها تدريجيا ليشمل مستويات تعليمية أخرى.
وتواجه الحكومة الجديدة، في المقابل، قرارا مهما بشأن تجربة «مدارس الريادة»، التي أثارت نقاشا حول حصيلتها التربوية ومدى قدرتها على تحسين مستوى التحصيل الدراسي. وسيكون عليها تحديد ما إذا كانت ستواصل التوجه نحو تعميم التجربة على المؤسسات التعليمية، أم ستخضعها لتقييم شامل يحدد مكامن القوة والاختلالات قبل اتخاذ القرار المناسب، خاصة أن قيادات في حزب الأصالة والمعاصرة سبق أن شددت على ضرورة تقييم هذه التجربة، بما يشمل أبعادها البيداغوجية.
وتبرز الصحة بدورها ضمن أكثر القطاعات إلحاحا، إذ تنتظر الحكومة المقبلة استكمال إصلاح المنظومة الصحية وتجاوز الإكراهات التي رافقت تنزيل بعض أوراشها، وفي مقدمتها إحداث المجموعات الصحية الترابية. ويقتضي هذا الورش استكمال تعيين المديرين العامين للمجموعات الست المتبقية، وضمان انطلاقها وفق تصور واضح للحكامة والتدبير، مع استخلاص الدروس من الصعوبات التي برزت خلال التجارب الأولى في عدد من الجهات.
وتجد الشغيلة الصحية نفسها أمام مطالب لم تُحسم بعد، ترتبط باستكمال تنفيذ مقتضيات اتفاق يوليوز 2024، ولا سيما ما يتعلق بتحسين الوضعية الاعتبارية للعاملين وإقرار التحفيزات المادية الموعودة. كما سيكون الوزير المقبل مطالبا بالتعامل مع ملف خريجي المعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة، الذين ينتظر عدد منهم فرص الالتحاق بسوق الشغل، في ظل مخاوف من استمرار البطالة رغم الخصاص المسجل في الموارد البشرية الصحية.
وتتسع دائرة التحديات لتشمل تحسين العرض الصحي وتقريب الخدمات من المواطنين، خصوصا في المناطق التي تعاني محدودية التجهيزات والموارد البشرية، وهو ما يستدعي تعزيز البنيات التحتية وتأهيل المؤسسات الصحية وتحسين جودة الاستقبال والتكفل بالمرضى، حتى لا يظل الإصلاح محصورا في إعادة تنظيم المؤسسات والهياكل الإدارية.
وتضع الحماية الاجتماعية الحكومة الجديدة أمام اختبار آخر، عنوانه مراجعة شروط الاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر، بعدما أثارت معايير الاستحقاق انتقادات بسبب إقصاء أسر ترى أنها في حاجة إلى المساعدة. ويترقب المعنيون مدى استعداد الأغلبية الجديدة لإعادة النظر في المؤشر المعتمد وتوسيع قاعدة المستفيدين، انسجاما مع الوعود التي قدمها حزب الأصالة والمعاصرة خلال الاستحقاقات الانتخابية.
وتتجه الأنظار، في هذا السياق، إلى المقترح المتعلق برفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم، وهو وعد يرتبط بتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية وتحسين قدرتها على الاستجابة لحاجيات الأسر محدودة الدخل. غير أن تنزيل هذا التوجه سيظل مرتبطا بتفاصيل البرنامج الحكومي والكلفة المالية للإجراءات المرتقبة وشروط الاستفادة منها.
وتتصدر القدرة الشرائية بدورها قائمة الملفات التي ستختبر مدى قدرة الحكومة المقبلة على تحويل الوعود الانتخابية إلى تدابير عملية، بعدما أثرت موجات ارتفاع أسعار المواد الأساسية خلال السنوات الماضية على ميزانيات الأسر، رغم الإجراءات التي اعتمدتها الحكومة المنتهية ولايتها. وسيكون الرهان الأساسي هو الحد من تآكل الدخل وتحسين التوازن بين الأجور وكلفة المعيشة.
وتشمل الوعود التي طرحها حزب الأصالة والمعاصرة إجراءات مرتبطة بتخفيف العبء الضريبي على الأجور، من خلال تحديد سقف أقصى للضريبة في 20 في المائة، إلى جانب رفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم ابتداء من السنة الثانية، وتعزيز معاش الأرملة ليبلغ 100 في المائة من معاش الزوج المتوفى عوض 50 في المائة، فضلا عن مقترح مجانية فواتير الكهرباء في حدود 100 درهم. وستكون الحكومة مطالبة بتوضيح شروط هذه التدابير وآليات تمويلها والجدول الزمني لتنفيذها.
وتنتظر فئات مهنية، من جهتها، إنصافها عبر مراجعة الأجور وإحداث درجات جديدة تتيح فرصا أوسع للترقي وتحسين الوضع الاجتماعي، خاصة في صفوف المتصرفين والمهندسين والتقنيين. ويطرح هذا الملف تحدي تحقيق توازن بين الاستجابة للمطالب المهنية وضمان العدالة الأجرية، مع مراعاة الإمكانات المالية للدولة وحاجيات مختلف القطاعات.
وتواجه الحكومة المقبلة، بالتوازي مع ذلك، ضغطا متزايدا في مجال التشغيل، في ظل تعهدات بإحداث مليون منصب شغل صاف خلال خمس سنوات، بمعدل 200 ألف منصب سنويا. ويتطلب بلوغ هذا الهدف تعبئة استثمارات القطاع الخاص وتحفيز المقاولات على التوسع وخلق فرص العمل، إلى جانب اعتماد سياسات قادرة على مواءمة التكوين مع حاجيات سوق الشغل والحد من الهشاشة المهنية.
وتعيد حصيلة الولاية الحكومية السابقة هذا الملف إلى واجهة النقاش، بعدما أثارت أرقام البطالة جدلا واسعا، خاصة في ضوء التغيير الذي اعتمدته المندوبية السامية للتخطيط في منهجية احتساب المؤشر، والذي انعكس على النسبة المعلنة. وسيكون التحدي أمام الحكومة الجديدة هو تقديم معطيات دقيقة وقابلة للمقارنة، مقرونة بإجراءات عملية تضمن إحداث فرص شغل مستقرة وتحسين شروط الولوج إليها.
وتكشف هذه الملفات مجتمعة أن نجاح حكومة فاطمة الزهراء المنصوري لن يُقاس فقط بحجم الوعود الواردة في برنامجها، بل بقدرتها على ترتيب الأولويات وتحديد آجال التنفيذ وتوفير الموارد اللازمة، مع تقديم حصيلة واضحة تتيح للمواطنين تقييم أثر السياسات العمومية على حياتهم اليومية. وبين استكمال الإصلاحات السابقة ومراجعة ما تعثر منها، ستظل المحكّات الاجتماعية والاقتصادية الاختبار الحقيقي لمدى قدرة الأغلبية الجديدة على الاستجابة لانتظارات المغاربة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك