أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
كشفت تركيبة الحكومة المغربية الجديدة عن استمرار الفجوة بين الالتزامات الدستورية المتعلقة بالمناصفة والواقع الفعلي لتمثيلية النساء في مراكز القرار، بعدما لم تتجاوز حصتهن 21.88 في المائة من أعضاء الجهاز التنفيذي، وفق المعطيات التي أوردتها جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، التي اعتبرت أن تعيين امرأة على رأس الحكومة، رغم رمزيته التاريخية، لا يعفي المؤسسات والأحزاب من مسؤولية توسيع المشاركة النسائية.
وسجلت الجمعية، في بيان صادر بالدار البيضاء، أن الحكومة التي عُينت في 16 أكتوبر الجاري تضم سبع نساء من أصل 32 عضواً، بينهن رئيسة الحكومة ووزيرتان وأربع وزيرات منتدبات، معتبرة أن هذه الحصيلة تطرح تساؤلات بشأن مدى حضور مبدأ المناصفة في المشاورات السياسية والاختيارات الحزبية التي سبقت تشكيل الأغلبية الحكومية.
ولا ترى الجمعية أن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يكفي وحده لتجاوز اختلالات التمثيلية داخل السلطة التنفيذية، إذ تظل المشاركة الفعلية في تدبير القطاعات الحكومية وصناعة القرار معياراً أساسياً لقياس مدى التقدم نحو المساواة. فالحضور في أعلى منصب حكومي، وفق هذا المنظور، لا يعوض محدودية عدد النساء في بقية مواقع المسؤولية.
ويمتد الاختلال، بحسب البيان، إلى المؤسسة التشريعية، حيث بلغ عدد النائبات بمجلس النواب 107 من أصل 395 عضواً، أي ما يعادل 27.09 في المائة، وهي نسبة لا تزال دون عتبة الثلث وبعيدة عن المناصفة. وتكشف الأرقام أن 90 نائبة وصلن إلى المجلس عبر الدوائر الجهوية المخصصة للنساء، مقابل 17 فقط عبر الدوائر المحلية، وهو توزيع تعتبره الجمعية مؤشراً على استمرار الصعوبات التي تواجه النساء في الوصول إلى البرلمان من خلال المنافسة المباشرة.
وتضع الجمعية جانباً من المسؤولية على عاتق الأحزاب السياسية، التي تتحكم في منح التزكيات وترتيب المرشحين وتحديد فرص التنافس على المقاعد. وفي هذا السياق، تشير إلى أن النساء تصدرن 121 لائحة محلية فقط من أصل 1615 لائحة خلال الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026، بنسبة لا تتجاوز 7.49 في المائة، بما يسلط الضوء على محدودية إسناد المواقع المتقدمة للنساء في السباق الانتخابي المحلي.
ولا يقتصر النقاش، وفق موقف الجمعية، على عدد المقاعد التي تفوز بها النساء بعد إعلان النتائج، بل يبدأ من الطريقة التي تُصاغ بها اللوائح الانتخابية وتُوزع بها فرص الترشيح داخل التنظيمات الحزبية. فضعف حضور النساء في صدارة اللوائح المحلية يحد من فرص وصولهن إلى المؤسسة التشريعية عبر التنافس المباشر، ويجعل مسؤولية الأحزاب محورية في أي مسعى لتوسيع المشاركة السياسية النسائية.
وتستند الجمعية في موقفها إلى الفصل 19 من الدستور المغربي، الذي ينص على سعي الدولة إلى تحقيق المناصفة بين الرجال والنساء، معتبرة أن استمرار الفجوة بعد سنوات من اعتماد دستور 2011 يستدعي مراجعة نجاعة التدابير المتخذة. وترى أن الانتقال من الالتزام المعلن إلى الممارسة يقتضي سياسات عمومية وآليات قانونية ومؤسساتية تعالج العوائق البنيوية التي تحد من مشاركة النساء في الحياة السياسية.
وفي مواجهة هذه الحصيلة، تدعو الجمعية الحكومة الجديدة إلى جعل المساواة والمناصفة من أولويات برنامجها للفترة 2027-2031، مع وضع أهداف واضحة ومؤشرات قابلة للقياس والتقييم، بما يسمح بتتبع مدى التقدم المحقق بدل الاكتفاء بإعلانات عامة حول تمكين النساء.
كما تطالب بتعزيز حضور النساء داخل هياكل مجلس النواب، بما يشمل مكتب المجلس ورئاسة اللجان الدائمة والفرق والمجموعات البرلمانية، إلى جانب فتح نقاش مؤسساتي حول تطوير القواعد القانونية المنظمة للانتخابات، بما يوسع فرص وصول النساء إلى مواقع المسؤولية التشريعية.
وتشمل مطالب الجمعية أيضاً توفير بيئة سياسية أكثر أماناً للنساء، من خلال إجراءات فعالة لمناهضة العنف السياسي والرقمي الذي يستهدفهن، بالنظر إلى ما قد يشكله من عائق أمام المشاركة في النقاش العام والتنافس الانتخابي وتولي المسؤوليات.
وبهذه المطالب، تعيد الجمعية طرح سؤال المناصفة باعتباره اختباراً للممارسة السياسية والمؤسساتية، لا مجرد التزام دستوري أو مكسب رمزي مرتبط بتعيين امرأة على رأس الحكومة. فالمعيار، في نهاية المطاف، يتمثل في مدى قدرة المؤسسات والأحزاب على تحويل المساواة إلى فرص فعلية للوصول إلى مواقع القرار، داخل الحكومة والبرلمان وعلى مستوى التنافس الانتخابي المباشر.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك