أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
أعاد ملف العبور الجماعي للمهاجرين نحو سبتة المحتلة العلاقات المغربية الإسبانية إلى واجهة التجاذب السياسي في مدريد، بعدما تحدث تقرير منسوب إلى جهاز الاستخبارات الإسباني عن علم السلطات المغربية المسبق بالدعوات التي سبقت الواقعة، في وقت دفع فيه زعيم الحزب الشعبي المعارض، ألبرتو نونييث فيخو، نحو تصعيد دبلوماسي وعسكري، مطالباً باستدعاء السفيرة المغربية وتعزيز الوجود البحري الإسباني في المنطقة.
ووفق المعطيات التي أوردتها صحيفة "إل باييس"، فإن التقرير المرفوع إلى القاضية ماريا تاردون، التي تحقق في ملابسات العبور الجماعي، يشير إلى أن السلطات المغربية كانت على علم، قبل أيام من الواقعة، بدعوات انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتنظيم تحرك جماعي نحو المدينة بالتزامن مع احتفالات عيد العرش.
وتفيد الرواية التي نقلتها الصحيفة بأن الاستخبارات الإسبانية وجهت، يوم 29 يوليوز، تنبيهاً إلى المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمديرية العامة للدراسات والمستندات، بشأن التحرك المحتمل وتوقيته. كما نسب التقرير إلى الجهاز الإسباني انتقاداً لما اعتبره تأخراً في تدخل السلطات المغربية خلال الساعات التي شهدت تدفقاً كبيراً للمهاجرين، مرجعاً ذلك إلى التركيز على تأمين احتفالات عيد العرش بمنطقة المضيق.
غير أن المعطى الأبرز في التقرير، بحسب المصدر ذاته، يتمثل في التمييز بين معرفة السلطات المغربية المسبقة بالدعوات المتداولة وبين اتهامها بتنظيم عملية العبور أو التحريض عليها؛ إذ لا يتضمن التقرير، وفق ما نشرته الصحيفة، اتهاماً مباشراً للرباط بالوقوف وراء التحرك، بل يركز على مسؤولية عدم إحباطه رغم التنبيهات السابقة.
وفي موازاة ذلك، انتقل الملف إلى ساحة المواجهة السياسية داخل إسبانيا، بعدما طالب فيخو رئيس الحكومة بيدرو سانشيز بتقديم توضيحات أمام البرلمان بشأن تحركات سفن تابعة للبحرية الملكية المغربية قرب سبتة، وفق الرواية التي تداولتها وسائل إعلام إسبانية. كما دعا إلى نشر البحرية الإسبانية في المنطقة واستدعاء السفيرة المغربية لطلب توضيحات رسمية من الرباط.
ويحاول زعيم الحزب الشعبي تقديم هذه التطورات باعتبارها قضية مرتبطة بالسيادة الإسبانية، داعياً الحكومة إلى التعامل معها بما يتجاوز التصريحات الدبلوماسية. وأحال، وفق المعطيات المنشورة، تفاصيل الواقعة على القضاء، في خطوة تضيف بُعداً قانونياً إلى ملف تحوّل بالفعل إلى موضوع سجال بين الحكومة والمعارضة.
وفي المقابل، سبق لسانشيز أن وصف التحركات البحرية المغربية بأنها حوادث معزولة، مؤكداً أهمية استمرار التعاون بين البلدين. ويعكس هذا الموقف اختلافاً في تقدير الواقعة بين الحكومة الإسبانية التي تشدد على الحفاظ على العلاقات الثنائية، والمعارضة التي تدفع باتجاه رد أكثر تشدداً على الرباط.
وتتجاوز تداعيات الملف حدود الخلاف حول تدبير الهجرة أو التحركات البحرية، بالنظر إلى حساسية سبتة المحتلة في العلاقات بين البلدين، وما يحيط بها من اعتبارات جغرافية وأمنية وسياسية. كما أن الجمع بين تقرير استخباراتي وتحقيق قضائي ومطالب المعارضة يمنح القضية أبعاداً متداخلة، يصعب فصلها عن النقاش الإسباني الأوسع بشأن إدارة الحدود والتعاون مع المغرب.
ومع ذلك، تبقى الاستنتاجات المتعلقة بمسؤولية السلطات المغربية مرتبطة بمضمون التقرير المنقول وتقييم الأجهزة الإسبانية، ولا تعني في حد ذاتها ثبوت مسؤولية قانونية أو وجود قرار مغربي بتسهيل العبور. كما أن المطالب التي يرفعها الحزب الشعبي تمثل موقفاً سياسياً معارضاً، وليست دليلاً مستقلاً على صحة جميع الاتهامات المتداولة.
وبين ضغوط المعارضة وحساسية التحقيق القضائي، يجد سانشيز نفسه أمام معادلة دقيقة تجمع بين المطالب الداخلية بتشديد الموقف الإسباني والحاجة إلى الحفاظ على التعاون مع المغرب في ملفات الهجرة والأمن البحري. أما الرباط ومدريد، فتظل علاقاتهما محكومة بتشابك المصالح والتحديات المشتركة، ما يجعل أي تصعيد بشأن سبتة اختباراً جديداً لقدرة الطرفين على احتواء الخلافات دون السماح لها بتوسيع دائرة التوتر.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك