أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
صعّد تيار اليسار الجديد المتجدد من انتقاداته لنتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026، معتبرا أن ضعف المشاركة وتراجع الأصوات المحصل عليها من طرف الأحزاب اليسارية يكشفان، وفق تقييمه، عن أزمة سياسية وتنظيمية عميقة، بالتزامن مع إعلان رفضه زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية، وتجديد مطالبته بوقف التطبيع مع إسرائيل وإعادة تقييم التوجهات الدبلوماسية للمغرب.
وسجلت التنسيقية الوطنية للتيار، في بيان صدر عقب اجتماعها يوم الجمعة 9 أكتوبر الجاري، أن نسبة المشاركة الرسمية البالغة 38.02 في المائة لا تعكس، بحسب قراءتها، الحجم الحقيقي للمشاركة قياسا بمجموع المواطنين الذين يحق لهم التصويت، مشيرة إلى أن نسبة المشاركة قد تنخفض إلى ما بين 20 و24.6 في المائة عند اعتماد هذه المقارنة. ودعت وزارة الداخلية إلى نشر تفاصيل إضافية بشأن عدد المصوتين الفعليين وكيفية احتساب نسبة المشاركة، خصوصا في ظل بلوغ الأصوات الملغاة والأوراق البيضاء نحو 1.12 مليون صوت.
وحمّلت التنسيقية ما وصفته بالاختلالات البنيوية مسؤولية إضعاف مصداقية المسار الانتخابي، منتقدة إشراف وزارة الداخلية على مختلف مراحل العملية، وطريقة توزيع الدوائر والمقاعد، وشروط التسجيل في اللوائح الانتخابية، إلى جانب ما تحدثت عنه من شبهات استعمال المال الانتخابي والرشوة وتسخير الممتلكات العمومية للتأثير على الناخبين. كما أثارت مزاعم تتعلق بتوجيه المواطنين نحو مكاتب التصويت، وعرقلة عمل بعض الملاحظين، وعدم تمكين المراقبين من محاضر النتائج، فضلا عن تدخل الإدارة الترابية والأعيان وتأثير وسائل إعلام قريبة من السلطة، وفق ما ورد في البيان.
وأعادت التنسيقية طرح ملف مشاركة مغاربة العالم، مطالبة بتمكينهم من التصويت المباشر والتمثيلية من دون قيود، معتبرة أن الوضع القائم لا ينسجم مع مقتضيات الفصل 17 من الدستور. كما توقفت عند واقعة قالت إنها شهدت ضبط مئات أوراق التصويت المؤشر عليها مسبقا لفائدة لوائح حزب الأصالة والمعاصرة بمدينة طنجة يوم الاقتراع، وقدمتها باعتبارها مؤشرا على ما تصفه بهشاشة ضمانات النزاهة، من دون أن يعني ذلك ثبوت هذه الادعاءات بحكم أو تحقيق رسمي في المعطيات الواردة بالبيان.
وفي تقييمه لحصيلة اليسار المغربي، اعتبر التيار أن نتائج انتخابات 23 شتنبر أظهرت استمرار محدودية امتداده الانتخابي وتراجع قاعدته الاجتماعية، مشيرا إلى حصول التنظيمات اليسارية المشاركة على 53 مقعدا ونحو 708 آلاف صوت، مقابل أكثر من 1.12 مليون صوت في انتخابات 2021، وهو ما وصفه بتراجع يقارب 37 في المائة من الأصوات و8.6 في المائة من المقاعد.
وانتقد البيان حصيلة تحالف اليسار، الذي حصل، بحسب الأرقام التي أوردها التيار، على 136.982 صوتا، مقابل 164.575 صوتا سنة 2016، معتبرا أن ارتفاع عدد مقاعده إلى ثمانية لا يعكس بالضرورة توسعا في قاعدته الشعبية، وربط جزءا من هذا التطور بتأثير القاسم الانتخابي واللوائح الجهوية النسائية.
وحمّل التيار مكونات من اليسار مسؤولية تعميق الانقسام السياسي بسبب اختلاف مواقفها من المشاركة الانتخابية والتحالفات، مشيرا إلى تقاطعات بين بعض مكوناته وقوى سياسية ذات مرجعيات مختلفة، سواء في تدبير الأغلبية الحكومية أو في تموقعات المعارضة. ورأى أن هذه الاختيارات تعكس، من وجهة نظره، غياب رؤية مشتركة وتراجعا في وضوح المشروع السياسي اليساري.
وأكدت التنسيقية أن الانتخابات، وفق تصورها، لا يمكن أن تكون مدخلا كافيا للتغيير في غياب إصلاحات سياسية ومؤسساتية عميقة، معتبرة أن العمل الميداني والنضال الاجتماعي يظلان أساسيين لبناء موازين قوى قادرة على إحداث التحول. ودعت، في هذا السياق، إلى مراجعة نقدية لأدوات اليسار وخطابه وبنيته التنظيمية، وإلى بناء مشروع ديمقراطي واجتماعي يستعيد صلته بالمواطنين والحركات الاجتماعية.
وطالبت التنسيقية بإعادة النظر في المنظومة الانتخابية، بما يشمل التقطيع الانتخابي والقاسم الانتخابي وضبط استعمال المال، وضمان حياد الإدارة وتكافؤ فرص الترشيح والتصويت المباشر لجميع المواطنين البالغين، بمن فيهم مغاربة العالم. كما شددت على ضرورة الفصل الفعلي بين السلط وربط المسؤولية بالمحاسبة، معتبرة أن معالجة أزمة الانتخابات تقتضي إصلاحا سياسيا يتجاوز الجوانب التقنية المرتبطة بتنظيم الاقتراع.
وعلى مستوى العلاقات الخارجية، أعلنت التنسيقية رفضها زيارة الملك فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر الجاري، ووصفتها بأنها تكريس لما تعتبره وضعا استعماريا للمدينتين، معتبرة أن الزيارة تتجاوز إطارها البروتوكولي وتثير، بحسب موقفها، تساؤلات بشأن مبدأ حسن الجوار والعلاقات المغربية الإسبانية.
وانتقد التيار، أيضا، تصريحات للرئيس الفرنسي بشأن تدفقات الهجرة نحو سبتة ومليلية، والتي قال إنها تصوّر هذه التحركات باعتبارها هجوما على إسبانيا والاتحاد الأوروبي. وربط البيان هذا الموقف بالنقاش حول تطوير الشراكة الاستراتيجية بين الرباط وباريس، مؤكدا أن التعاون الدولي، وفق تصوره، ينبغي ألا يأتي على حساب المطالب الوطنية المتعلقة بسبتة ومليلية والجزر المحتلة.
وفي ما يتعلق بالعلاقات المغربية الإسرائيلية، اتهمت التنسيقية الدبلوماسية المغربية بعدم تحقيق مكاسب ملموسة تتناسب مع مسار التطبيع، سواء في ملف الصحراء المغربية أو في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية. كما أثارت ما قالت إنه ورود نقاش بشأن «مجلس انتقالي» واتفاق إطار لمرحلة انتقالية في الصحراء ضمن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة المؤرخ في فاتح أكتوبر 2026، ذي المرجع S/2026/781، إلى جانب التوصية بتمديد ولاية بعثة المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2027.
ودعت التنسيقية، بناء على موقفها، إلى وقف التطبيع مع إسرائيل وإلغاء الاتفاقيات المرتبطة به، واعتماد سياسة خارجية قائمة على الشرعية الدولية وتنويع الشراكات، بعيدا عما وصفته بالارتهان للقوى الاستعمارية أو المقايضات الظرفية. كما طالبت بفتح نقاش وطني ديمقراطي وعلني بشأن التطورات والترتيبات المرتبطة بالمرحلة المقبلة في الأقاليم الجنوبية، مع إشراك القوى الديمقراطية وممثلي ساكنة المنطقة.
وخلص التيار إلى أن نتائج الانتخابات والتطورات الدبلوماسية تفرض، بحسب تقديره، مراجعة سياسية وفكرية وتنظيمية، سواء على مستوى تدبير الشأن الداخلي أو بناء العلاقات الخارجية، مجددا دعوته إلى إعادة الاعتبار للعمل الميداني والنضال الاجتماعي، وإلى بناء يسار ديمقراطي واجتماعي قادر على تقديم بديل سياسي يستند إلى المشاركة المجتمعية والمساءلة المؤسساتية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك