أرقام البنك الدولي الجديدة تدق ناقوس الخطر..لماذا يعجز النمو الاقتصادي في المغرب عن توفير فرص الشغل؟

أرقام البنك الدولي الجديدة تدق ناقوس الخطر..لماذا يعجز النمو الاقتصادي في المغرب عن توفير فرص الشغل؟
تقارير / الأحد 11 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:لبنى مطرفي

تضع التوقعات الجديدة للبنك الدولي بشأن سوق الشغل في المغرب علامات استفهام كبيرة حول قدرة النمو الاقتصادي على تحسين فرص العمل خلال السنوات المقبلة، بعدما رجحت المؤسسة الدولية ألا تتجاوز نسبة المشتغلين من مجموع السكان البالغين 15 سنة فأكثر 40.4 في المائة بحلول سنة 2028، مقابل 40 في المائة سنة 2025. ويعني ذلك أن التحسن المتوقع لن يتجاوز 0.4 نقطة مئوية خلال ثلاث سنوات، رغم استمرار الاقتصاد المغربي في تسجيل معدلات نمو تتجاوز 4 في المائة وفق التقديرات نفسها.

وتكشف هذه الأرقام، الواردة في تقرير «آفاق الاقتصاد الكلي والفقر» الصادر عن البنك الدولي في أكتوبر 2026، عن مفارقة اقتصادية تتجاوز مجرد ارتفاع البطالة أو انخفاضها، لتطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة النمو الذي يحققه المغرب، ومدى قدرته على تحويل الاستثمارات والمشروعات الكبرى وتوسع الأنشطة الاقتصادية إلى فرص عمل فعلية ومستقرة تستوعب الشباب والنساء والباحثين عن الشغل.

وبحسب توقعات البنك الدولي، سيبلغ معدل التشغيل 40.1 في المائة سنة 2026، ثم يرتفع إلى 40.2 في المائة سنة 2027، قبل أن يصل إلى 40.4 في المائة سنة 2028. وفي المقابل، يتوقع التقرير نمو الاقتصاد المغربي بنسبة 4.4 في المائة خلال السنة الجارية، و4 في المائة سنة 2027، و4.3 في المائة سنة 2028. وتكشف المقارنة بين المؤشرين عن محدودية انتقال ثمار التوسع الاقتصادي إلى سوق العمل، وهي معضلة سبق أن سلطت المؤسسة الدولية الضوء عليها عند تحليل اختلالات النموذج الاقتصادي المغربي.

ولا تعني هذه التوقعات أن الاقتصاد المغربي سيتوقف عن إحداث مناصب الشغل، كما لا تعني أن ستة من كل عشرة أشخاص في سن العمل عاطلون بالمعنى الإحصائي الدقيق، لأن هذه الفئة تضم أيضاً أشخاصاً لا يشاركون في النشاط الاقتصادي، مثل بعض الطلبة وربات البيوت وغيرهم ممن لا يعملون ولا يبحثون عن وظيفة. غير أن استقرار معدل التشغيل عند مستويات محدودة يبرز اتساع الفجوة بين حجم السكان في سن العمل وقدرة الاقتصاد على توفير فرص كافية لاستيعابهم.

وتزداد دلالة هذه المؤشرات عندما توضع إلى جانب التحسن الذي شهده سوق الشغل خلال الفصل الثاني من سنة 2026. فقد أضاف الاقتصاد المغربي نحو 279 ألف منصب شغل مقابل أجر مقارنة بالفصل الأول، منها 187 ألف منصب في الوسط الحضري و92 ألفاً في الوسط القروي، وفق المعطيات التي أوردها البنك الدولي استناداً إلى الإحصاءات الوطنية. كما تراجع معدل البطالة بالمفهوم الضيق من 10.8 في المائة خلال الفصل الأول إلى 9.5 في المائة خلال الفصل الثاني.

واستحوذ قطاع الخدمات على الحصة الأكبر من المناصب الجديدة، بإحداث نحو 166 ألف منصب، متبوعاً بالأنشطة الصناعية التي وفرت 47 ألفاً، ثم البناء والأشغال العمومية بنحو 42 ألف منصب. وهي أرقام تعكس تحسناً فصلياً مهماً، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على قدرة سوق الشغل على معالجة الاختلالات البنيوية، خصوصاً أن المقارنة بين فصلين لا تعادل قياس تطور التشغيل على مدى سنوات، كما أن عدد المناصب المحدثة لا يكشف وحده عن مستوى الأجور والاستقرار المهني وجودة الوظائف.

وهنا يكمن أحد مفاتيح الإشكال المغربي: ليس المطلوب فقط أن يحقق الاقتصاد نمواً مرتفعاً، بل أن يصبح هذا النمو أكثر قدرة على توليد فرص العمل. فارتفاع الناتج الداخلي الخام قد يتزامن مع توسع الاستثمارات والبنية التحتية والإنتاج والصادرات، من دون أن تنعكس آثاره بالسرعة نفسها على التشغيل، خاصة عندما تتركز الاستثمارات في أنشطة كثيفة رأس المال أو تعتمد على التكنولوجيا والتجهيزات أكثر من اعتمادها على اليد العاملة.

وقد أشار البنك الدولي، في تقريره الخاص بالمغرب، إلى أن فرص العمل التي يولدها النمو لا تزال غير كافية لاستيعاب الباحثين عن الشغل، كما أن أقل من نصف المشتغلين بأجر يعملون في وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم. وتكشف هذه الملاحظة عن مشكلة مزدوجة: نقص في عدد الفرص المتاحة من جهة، واختلال في العلاقة بين التكوين والمهارات المطلوبة في سوق العمل من جهة أخرى.

فحين يحصل الشباب على شهادات أو تكوينات لا تتوافق مع حاجيات المقاولات والقطاعات المنتجة، تتسع الفجوة بين التعليم والتشغيل، ويجد الخريجون أنفسهم أمام خيارات محدودة، رغم سنوات الدراسة والتأهيل. وفي المقابل، تواجه بعض الأنشطة الاقتصادية صعوبات في العثور على الكفاءات والمهارات التي تحتاج إليها. ولا يمكن معالجة هذا التناقض بمجرد توسيع التكوين المهني أو إطلاق برامج جديدة، بل يتطلب الأمر ربط التكوين بحاجيات الاقتصاد الفعلية، وتطوير الشراكة بين المؤسسات التعليمية والمقاولات، وتوفير معلومات دقيقة ومتجددة عن المهن والمهارات المطلوبة مستقبلاً.

ويبرز تشغيل النساء باعتباره أحد أكبر الاختلالات في بنية سوق العمل المغربي. فقد بلغت نسبة مشاركتهن في القوى العاملة 18.1 في المائة، مقابل 66.5 في المائة لدى الرجال، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط التي استند إليها البنك الدولي. ولا يتعلق الأمر هنا بمعدل النساء المشتغلات فقط، بل بمعدل المشاركة في القوى العاملة، الذي يشمل المشتغلات والباحثات عن عمل وفق التعريف الإحصائي المعتمد.

وتعكس هذه الهوة اتساع الفارق بين النساء والرجال في الوصول إلى سوق الشغل، كما تطرح أسئلة حول العوائق التي تحول دون مشاركة أوسع للنساء في النشاط الاقتصادي، من بينها محدودية فرص العمل الملائمة في بعض المناطق، وصعوبات التنقل، ومسؤوليات الرعاية الأسرية، وتفاوت فرص الوصول إلى التكوين والتمويل، فضلاً عن طبيعة بعض الوظائف وشروط الولوج إليها.

ولا يمكن للاقتصاد المغربي أن يستفيد من كامل طاقته الإنتاجية إذا ظلت مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي عند مستويات منخفضة. فإقصاء شريحة واسعة من السكان، سواء بفعل نقص الفرص أو بسبب الحواجز الاجتماعية والاقتصادية، يعني ضياع إمكانات إضافية للإنتاج والاستهلاك وريادة الأعمال. ولذلك فإن تحسين تشغيل النساء لا ينبغي أن يظل هدفاً اجتماعياً منفصلاً عن السياسة الاقتصادية، بل يجب أن يصبح جزءاً أساسياً من استراتيجية النمو ورفع الإنتاجية.

أما الشباب، فيمثلون الوجه الأكثر إلحاحاً لأزمة التشغيل، بالنظر إلى صعوبة انتقال عدد منهم من الدراسة إلى العمل، وإلى استمرار البطالة في مستويات مرتفعة داخل الفئات العمرية الأصغر. وقد أظهرت بيانات المندوبية السامية للتخطيط أن معدل البطالة بالمفهوم الضيق لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة بلغ 27.2 في المائة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، مقابل 9.5 في المائة على المستوى الوطني.

وتكشف هذه الفجوة أن التحسن العام في مؤشرات سوق الشغل لا يصل بالضرورة إلى الشباب بالدرجة نفسها. فالشاب الذي يدخل سوق العمل للمرة الأولى يواجه تحديات تتعلق بنقص الخبرة المهنية، ومحدودية الفرص المتاحة، وشروط التوظيف، وعدم التوافق أحياناً بين التكوين ومتطلبات المقاولات. وقد تؤدي هذه الصعوبات، عندما تطول فترة البحث عن العمل، إلى تراجع فرص اكتساب الخبرة والاندماج المهني، بما يخلق حلقة يصعب كسرها من دون سياسات تستهدف الفئات الأكثر تضرراً.

غير أن تفسير هذه الاختلالات لا ينبغي أن يتوقف عند حدود التكوين أو مسؤولية الباحثين عن الشغل، لأن المسألة ترتبط أيضاً بقدرة الاقتصاد على خلق المقاولات وتوسيع الأنشطة المنتجة. فكلما ظل الاستثمار الخاص محدوداً أو واجه صعوبات إدارية وتنظيمية وتمويلية، تقلصت قدرة النسيج الاقتصادي على التوسع وإحداث مناصب جديدة. ولذلك يشدد البنك الدولي على أهمية تحسين المنافسة ومناخ الأعمال والإنتاجية، بما يسمح للمقاولات بالنمو وخلق فرص عمل أكثر استدامة.

وتتصل هذه الإشكالية أيضاً ببنية الاقتصاد نفسه. فالمغرب يراهن على الاستثمار في البنية التحتية والقطاعات الصناعية والتصديرية والخدمات والسياحة، وهي مجالات يمكن أن تساهم في تعزيز النمو، لكن أثرها على التشغيل يظل مرتبطاً بمدى قدرتها على خلق روابط اقتصادية واسعة مع المقاولات المحلية، وتطوير سلاسل الإنتاج، ورفع حصة الأنشطة ذات القيمة المضافة، وتوفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في مختلف الجهات.

ولا يكفي، في هذا السياق، الإعلان عن حجم الاستثمارات أو عدد المشروعات التي يجري إنجازها، بل يتعين قياس النتائج الاقتصادية والاجتماعية المترتبة عنها. فالمعيار الحاسم ليس فقط حجم الأموال المرصودة أو عدد المنشآت التي تدخل الخدمة، وإنما عدد الوظائف التي تنتج عنها، ونوعية تلك الوظائف، ومستوى الأجور والاستقرار المهني، ومدى استفادة الشباب والنساء والمناطق التي تعاني ضعفاً في فرص العمل.

وفي تقرير سابق صدر في أبريل 2026، أشار البنك الدولي إلى أن المغرب يمكنه إحداث 1.7 مليون منصب شغل إضافي بحلول سنة 2035، إذا نفذ إصلاحات هيكلية تعزز المنافسة والاستثمار الخاص ودينامية المقاولات، وتوسع مشاركة النساء والشباب في الاقتصاد المنظم. كما شدد على أن نمو السكان في سن العمل كان أسرع بكثير من نمو التشغيل خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2000 و2024، بما يعكس تراكم اختلالات تتطلب معالجة تتجاوز التدابير الظرفية.

وتضع هذه الخلاصات مسؤولية واضحة أمام السياسات العمومية، إذ لا يتعلق التحدي فقط بتخصيص موارد إضافية لبرامج التشغيل، بل بمدى قدرتها على إزالة العقبات التي تمنع المقاولات من الاستثمار والتوسع، وتحسين فرص الولوج إلى التمويل، وتطوير المنافسة، وتبسيط المساطر الإدارية، وتوفير تكوين يستجيب للتغيرات التي يعرفها الاقتصاد. كما يتطلب الأمر توجيه الاستثمارات العمومية نحو مشروعات تخلق قيمة اقتصادية مستدامة وتفتح المجال أمام المبادرة الخاصة، بدلاً من الاكتفاء بقياس النجاح من خلال حجم الإنفاق أو عدد المشروعات المنجزة.

وفي المقابل، ينبغي تقييم برامج دعم التشغيل وفق نتائج قابلة للقياس، لا وفق عدد المستفيدين المسجلين فيها أو عدد الدورات التكوينية المنظمة. فالسؤال الذي يهم الباحث عن عمل هو ما إذا كان البرنامج قد ساعده فعلياً على الحصول على وظيفة، وما إذا كانت تلك الوظيفة مستقرة وتوفر دخلاً مناسباً، وما إذا كان التكوين الذي تلقاه قد عزز فرصه في سوق العمل. كما ينبغي قياس نسبة استمرار المستفيدين في العمل بعد انتهاء الدعم، وحصة النساء والشباب من المناصب المحدثة، والفوارق بين الجهات والوسطين الحضري والقروي.

ويكتسب هذا التقييم أهمية إضافية في ضوء التغيير المنهجي الذي اعتمدته المندوبية السامية للتخطيط في البحث الجديد حول القوى العاملة لسنة 2026. فقد أعادت المندوبية تعريف التشغيل باعتباره عملاً يُمارس مقابل أجر أو بهدف تحقيق ربح، واعتمدت مفهوماً أضيق للبطالة يشترط عدم العمل والتوفر على الاستعداد للعمل والبحث النشط عنه. كما وسعت قياس الاستعمال غير الكافي لليد العاملة ليشمل مؤشرات أخرى إلى جانب البطالة، وأكدت أن النتائج الجديدة لا تقارن مباشرة بالنتائج السابقة المستندة إلى المنهجية القديمة.

ويعني ذلك أن قراءة تطور سوق الشغل تتطلب الحذر عند مقارنة الأرقام عبر السنوات، كما تستدعي النظر إلى مؤشرات متعددة، تشمل معدل التشغيل والمشاركة في القوى العاملة والبطالة ونقص التشغيل والعمالة المحتملة. فكل مؤشر يضيء جانباً مختلفاً من الواقع، ولا يمكن اختزال وضع سوق الشغل في رقم واحد، مهما كانت أهميته.

وتبقى الخلاصة الأساسية أن النمو الاقتصادي، رغم ضرورته، لا يضمن تلقائياً توزيع ثماره على شكل فرص عمل كافية. فالتوقعات التي يوردها البنك الدولي حتى سنة 2028 تشير إلى أن معدل التشغيل سيظل قريباً من مستواه الحالي، وهو ما يجعل خلق فرص العمل تحدياً مركزياً أمام الاقتصاد المغربي في المرحلة المقبلة. ولا تكمن المشكلة في غياب النمو وحده، بل في كيفية تحويله إلى نشاط اقتصادي أوسع وأكثر إنتاجية وقدرة على استيعاب الطاقات البشرية.

ومن ثم، فإن السؤال الذي ينبغي أن يتصدر النقاش العمومي ليس فقط كم سيحقق المغرب من نقاط النمو خلال السنوات المقبلة، بل كم وظيفة جديدة ومستدامة سينتجها كل مستوى من هذا النمو، ومن سيستفيد منها، وأين ستُحدث، وما القيمة التي ستضيفها إلى حياة الأسر. فنجاح السياسات الاقتصادية لا يُقاس بالمؤشرات الكلية وحدها، وإنما بمدى قدرتها على جعل النمو ملموساً في سوق العمل، وفي دخل المواطنين، وفي فرص الشباب والنساء، وفي قدرة الاقتصاد على منح الأفراد مساراً مهنياً مستقراً وكريماً.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك