أنتلجنسيا:عبد الله البارودي
فجّر قرار القضاء الإسباني القاضي برفض تسليم رجل الأعمال المغربي العربي التدلاوي إلى السلطات المغربية جدلاً جديداً حول مستقبل التعاون القضائي بين الرباط ومدريد، وأعاد إلى الواجهة تساؤلات حادة بشأن مدى التزام الجانب الإسباني بمبدأ المعاملة بالمثل في تنفيذ اتفاقيات تسليم المطلوبين بين البلدين.
وتحول الملف إلى قضية سياسية وقانونية حساسة بعدما جاء في سياق توتر متصاعد بشأن آليات تنفيذ أوامر التسليم، خاصة بعد التصريحات القوية التي أطلقها وزير العدل عبد اللطيف وهبي، محذراً من إمكانية مراجعة أو حتى تعليق بعض الاتفاقيات المرتبطة بتسليم المطلوبين إذا استمر ما اعتبره عدم احترام للمساطر المتفق عليها من الجانب الإسباني.
ورغم أن الوزير المغربي لم يربط مواقفه بشكل مباشر بقضية التدلاوي، فإن أوساطاً إعلامية إسبانية اعتبرت أن هذا الملف يعد من أبرز القضايا التي غذّت حالة الاستياء داخل الرباط، خصوصاً بعد صدور قرار بالإجماع عن المحكمة الوطنية الإسبانية يقضي برفض تسليم رجل الأعمال المطلوب للمغرب.
وتعود جذور القضية إلى مشروع عقاري وسياحي ضخم كان من المقرر إنجازه بضواحي طنجة باستثمارات قدرت بحوالي 200 مليون يورو، حيث تم الترويج للمشروع باعتباره واحداً من أكبر المشاريع السياحية في المنطقة، ويشمل مئات الوحدات السكنية وملعباً للغولف ومرافق سياحية متنوعة. غير أن توقف الأشغال بشكل مفاجئ حوّل الحلم الاستثماري إلى أزمة معقدة خلفت مئات المتضررين وخسائر مالية كبيرة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن المشروع خلّف نحو 800 مستثمر متضرر، من بينهم عدد مهم من البريطانيين الذين وجدوا أنفسهم أمام مشروع متوقف وأموال معلقة، وهو ما دفع القضية إلى تجاوز الحدود المغربية لتصل أصداؤها إلى مؤسسات سياسية وإعلامية خارج المملكة.
وترى السلطات المغربية أن الوقائع المرتبطة بالملف تحمل شبهة أفعال تستوجب المتابعة الجنائية، بينما تبنت المحكمة الإسبانية قراءة مختلفة تماماً، معتبرة أن النزاع يندرج في إطار خلاف تعاقدي ومدني بين الأطراف ولا يرقى إلى مستوى الجريمة الجنائية كما يحددها القانون الإسباني.
واستند القضاء الإسباني في قراره إلى مبدأ "التجريم المزدوج"، الذي يعد أحد الشروط الأساسية في اتفاقيات تسليم المطلوبين، ويقضي بضرورة أن تكون الأفعال موضوع المتابعة مجرمة في النظامين القانونيين للبلدين معاً. وبحسب المحكمة، فإن المعطيات المعروضة لم تثبت وجود تدليس سابق أو احتيال جنائي بالمعنى الذي يسمح بتكييف الوقائع كجريمة نصب وفق التشريع الإسباني.
وكان التدلاوي قد أوقف بمدينة الجزيرة الخضراء خلال سنة 2025 بناء على مذكرة بحث دولية، غير أن مسار القضية انتهى برفض تسليمه، وهو القرار الذي اعتبره مراقبون ضربة جديدة لمساطر التعاون القضائي بين الرباط ومدريد في الملفات المعقدة ذات الطابع المالي والاستثماري.
ويأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه الأصوات المطالبة بإعادة تقييم آليات التعاون القضائي بين البلدين، خصوصاً بعدما كشف وهبي عن حالات سابقة تم فيها إرسال فرق أمنية مغربية إلى إسبانيا لتسلم مطلوبين قبل أن تعود دون تنفيذ عمليات التسليم، ما اعتبره هدراً للجهد والموارد وسبباً مباشراً لتنامي حالة التذمر داخل المؤسسات المغربية.
ومع استمرار الجدل حول هذا الملف، تبدو العلاقات القضائية بين المغرب وإسبانيا أمام اختبار جديد قد تكون له تداعيات تتجاوز قضية رجل أعمال واحد، لتصل إلى مستقبل اتفاقيات التعاون القانوني والأمني بين الجارين في مرحلة تتسم بحساسية متزايدة وتحديات مشتركة على أكثر من واجهة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك