أنتلجنسيا:عبد الله البارودي
في تحول لافت يعكس حجم الرهانات السياسية في زمن التكنولوجيا، كشفت معطيات مشروع مرسوم جديد عن إعادة رسم قواعد اللعبة الانتخابية في المغرب، عبر وضع قيود دقيقة على الإنفاق الرقمي للمترشحين، في خطوة تُقدَّم رسمياً كضمان لتكافؤ الفرص، لكنها تثير في العمق تساؤلات حادة حول حدود التحكم في الفضاء السياسي الرقمي.
المقترح الجديد يحدد لأول مرة سقفاً واضحاً للمصاريف المرتبطة بالحملات عبر الوسائل الرقمية، حيث تم حصرها في ثلث الميزانية الانتخابية لكل مترشح، مع تحديد حد أقصى لا يتجاوز 800 ألف درهم للوائح المحلية، ومليون و500 ألف درهم للوائح الجهوية، ما يعني عملياً تقنين النفوذ الرقمي ومنع انفلاته كما كان يحدث في الاستحقاقات السابقة.
وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت برر هذا التوجه بضرورة خلق توازن بين المتنافسين، خاصة في ظل التوسع المتسارع لاستخدام المنصات الرقمية كأداة رئيسية للتأثير على الناخبين، معتبراً أن ضبط هذا المجال أصبح أمراً لا مفر منه لضمان نزاهة العملية الانتخابية.
غير أن اللافت في المشروع لا يقف عند حدود الأرقام، بل يمتد إلى إعادة تعريف أدوات الحملة نفسها، حيث تم استبدال مصطلح “الأنترنيت” بمفهوم أوسع هو “الوسائل الرقمية”، ليشمل شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات البث المفتوح وتطبيقات الذكاء الاصطناعي وكل ما يرتبط بالعالم الرقمي، في إشارة واضحة إلى أن المعركة الانتخابية لم تعد تُخاض فقط في الشارع، بل في الفضاء الافتراضي أيضاً.
كما وسّع المشروع نطاق المحتوى المسموح به رقمياً، ليشمل الإعلانات والحوارات والمداخلات والنداءات، ما يعكس اعترافاً رسمياً بأن الخطاب السياسي أصبح يعتمد بشكل متزايد على التأثير المباشر والسريع عبر الشاشات، بدل الأساليب التقليدية.
ومن زاوية تقنية دقيقة، يقترح النص إدراج مصاريف إعداد الحساب المالي للحملة ضمن النفقات الانتخابية، حتى وإن تم إنجازها بعد انتهاء الآجال المحددة، وهو إجراء يهدف إلى تمكين المترشحين من احتساب جميع التكاليف بشكل أكثر شمولية، خاصة فيما يتعلق بالدعم العمومي الموجه للوائح المؤهلة، بما فيها لوائح الشباب.
في المقابل، لم يخلُ المشروع من بعد زجري واضح، إذ يربط القانون التنظيمي الجديد بعقوبات ضد أي تمويل لإعلانات سياسية عبر منصات أجنبية، في خطوة تُفسَّر رسمياً كحماية للعملية الانتخابية من التأثير الخارجي، لكنها تفتح باباً واسعاً للنقاش حول حرية التعبير وحدود السيادة الرقمية.
وفي وقت يتم فيه رفع سقف المصاريف العامة للمترشحين من 500 ألف إلى 600 ألف درهم، يبدو أن الدولة تسير نحو معادلة دقيقة: توسيع هامش الإنفاق من جهة، وتشديد الرقابة على القنوات الرقمية من جهة أخرى. وبين خطاب “تكافؤ الفرص” ومخاوف “التحكم غير المباشر”، تدخل الانتخابات المغربية مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: السياسة تُدار الآن بالخوارزميات بقدر ما تُحسم بصناديق الاقتراع.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك