أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
في تصعيد غير مسبوق يعكس حجم الاحتقان داخل قطاع حساس، أعلن التنسيق الوطني لأساتذة التعليم الأولي خوض إضراب وطني يمتد ليومين متتاليين مطلع أبريل، مرفوقاً باحتجاج ميداني أمام المؤسسة التشريعية في العاصمة الرباط، في خطوة تعكس انتقال المعركة من المطالب القطاعية إلى مواجهة مفتوحة مع السياسات العمومية التي تؤطر هذا المجال.
التحرك الجديد لا يُقرأ فقط كإضراب مهني تقليدي، بل كصرخة سياسية قوية ضد نموذج تدبير يعتبره المعنيون تكريساً للهشاشة بدل إصلاحها، حيث يرى الأساتذة أن ما يجري داخل التعليم الأولي يتجاوز الأعطاب التقنية إلى ما يصفونه بانهيار في الرؤية والمسؤولية، في ظل تفويض واسع لجمعيات أصبحت تلعب دور الوسيط بين الدولة والعاملين في القطاع.
وبحسب المعطيات التي قدمها التنسيق، فإن الخطاب الرسمي الذي يتباهى بتوسيع قاعدة المستفيدين من التعليم الأولي يخفي واقعاً مغايراً، يتمثل في أوضاع مهنية صعبة يعيشها العاملون في هذا المجال، من أجور متدنية إلى غياب الاستقرار الوظيفي، مروراً بانعدام التغطية الاجتماعية الكافية، فضلاً عن ممارسات يعتبرونها تعسفية في بعض الحالات.
هذا الواقع، كما يطرحه المحتجون، يعكس تحوّل التعليم الأولي إلى مجال مفتوح للاستثمار منخفض الكلفة، حيث يتم تدبيره عبر صيغ توصف بأنها تخلط بين العمل الجمعوي والربح، ما يطرح إشكالات عميقة حول مصير المدرسة العمومية ودورها في ضمان تكافؤ الفرص. ويذهب الخطاب الاحتجاجي إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن هذا النموذج أدى إلى إفراغ العملية التربوية من بعدها القيمي، وتحويلها إلى خدمة تُقدَّم بمنطق السوق.
في قلب هذه المواجهة، يرفع الأساتذة مطلباً مركزياً يتمثل في الإدماج الشامل داخل الوظيفة العمومية، باعتباره المدخل الأساسي لإنهاء ما يعتبرونه وضعاً غير عادل، إضافة إلى الدعوة لإنهاء العمل بنظام التدبير المفوض الذي يرونه سبباً مباشراً في تكريس الهشاشة. كما يشددون على ضرورة إعادة الاعتبار لمهنة التعليم الأولي، من خلال ضمان حقوق مهنية واجتماعية تليق بالدور الذي يلعبه المربون في تشكيل المراحل الأولى من حياة الأطفال.
الاحتجاج المرتقب في الرباط يأتي في سياق تصاعدي لحركات الغضب داخل قطاع التعليم، ما يطرح تساؤلات حول قدرة السياسات الحالية على امتصاص هذا التوتر، أو ما إذا كانت البلاد مقبلة على جولة جديدة من الصدام بين الفاعلين التربويين والدولة. وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن ملف التعليم الأولي لم يعد قضية تقنية هامشية، بل تحول إلى عنوان لصراع أوسع حول طبيعة النموذج الاجتماعي والتعليمي الذي يُراد تكريسه.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك